منتديات جامعة الملك عبد العزيز

منتديات جامعة الملك عبد العزيز (http://forum.kau.edu.sa/vb/index.php)
-   كلية الآداب والعلوم الإنسانية (http://forum.kau.edu.sa/vb/ssaie-caaice-aecauaaea-caaaeocaeie-74/)
-   -   الي عنده فكره عن الفكد الفلسفي>> (http://forum.kau.edu.sa/vb/ssaie-caaice-aecauaaea-caaaeocaeie-74/cai-uaeia-yssna-uae-cayssi-cayaoyi-70732/)

المواصل 12-17-2012 04:32 PM

الي عنده فكره عن الفكد الفلسفي>>
 
السلام عليكم


كيفكم اخبااركم


ياليت الي عنده ملخص الفكر الفلسفي في ضو الاسلام

ياليت يسدحه هنا ولايبخل علينا

أبوخالد320 12-17-2012 05:21 PM

الفلسفة / كلمة يونانية الأصل دخلت العربية في عصر الترجمة ومعناها في أصلها (محبة الحكمة ) ثم صارت اسم للعلم المعروف نص على ذلك أوائل المتصلين بالفلسفة الإغريقية من العرب كالكندي والفارابي وغيرهما وقد استخدمتها العرب مع كلمة أخرى عربية الأصل هي الحكمة
هناك طائفة من الباحثين يفضلون ألا يقدموا للفلسفة تعريفا معينا وربما قرر بعضهم أن الحصول على تعريف فني لها في بداية دراستها أمر متعذر ولموقفهم هذا أسباب منهجية عامة وأسباب خاصة ترجع إلى طبيعة الفلسفة نفسها ومن تلك الأسباب :
1- أن التعريف الحقيقي لأي علم لا يكون إلا بعد الإلمام بمسائله ومباحثه وكل تعريف يذكر في مقدمه أي علم لا يعدو أن يكون رسما أو إيضاحا عاما لمعناه أو تعريفا مؤقتا به وليس حدا أو تعريفا حقيقيا
2- أنه بالنسبة للفلسفة بخاصة فإن غموض معناها وتطوره من عصر إلى عصر يجعل من الصعب الاتفاق على تعريف محدد لمعناها الاصطلاحي

الفلسفة الشخصية والفلسفة الاصطلاحية :
لكل إنسان أيا كان حظه من الثقافة والخبرة نظرة معينة إلى الحياة والأشياء تحدد سلوكه وتعينه على اتخاذ القرارات في المواقف المختلفة وهذه النظرة تتمثل في مجموعة من المبادئ أو المعتقدات يؤمن بها المرء أو يعتقد صحتها ويدبر في ضوئها شئون حياته الخاصة وليس من الضروري أن يستند كلا الاعتقادين إلى براهين نقليه أو عقلية أو حجج استدلالية أو قصد واع للموازنة والاختيار بين المبادئ المتعارضة وغالبا ما يكتسب الناس معتقداتهم وأرائهم من خلال تجاربهم المحدودة التي تقع في نطاق حياته الشخصية
أما الفلسفة الاصطلاحية / أي الفلسفة باعتبارها علما يدرس ويشتغل به المختصون في أقسام الفلسفة ومعاهدها المتخصصة فهي لون أخر من الحكمة النظرية التأملية يقوم عادة على البحث والفحص والنظر المتعمق من أجل الوصول إلى أسس عقلية لما يمكن أن يتبناه أصحابها من مبادئ وأفكار ولكي يتبين الفرق بين الفلسفة بهذا المعنى الفني المتعارف عليه بين الفلاسفة والدارسين للفلسفة والفلسفة بالمعنى الفني ليست مقطوعة الصلة بالفلسفة الشعبية أو الشخصية بل هي امتداد لها في الواقع وذلك أن المرء قد يشعر وخاصة إذا كان موهوبا أو صادفته أزمة عقلية وهكذا نجد أن الفلسفة بالمعنى الأول تكاد تكون هي نقطة البداية للفلسفة بالمعنى الثاني فالفيلسوف لا يخلق المشكلة أو يبتدع موضوع البحث وإنما هو يستخلصه

الفرق بين النوعين :

1- الوضوح العقلي : الفلسفة الفردية عادة جزئية بحكم أنها نبعت أصلا من تجربة شخصية محدودة وتستخدم عادة في حل مشاكل فردية أو اجتماعية محدودة فإذا حاولنا رفعها إلى مستوى أعلى لتواجه مشكلات مجتمع بأسره أو الإنسانية في عمومها فإنها تفشل لا محالة أما الفلسفة بمعناها العلمي فإنها كلية بطبيعتها لأنها تنظر في وقائع حياة مجتمع ما وتلخصها في مسائل وضيغ عامة مجردة وإن كانت في الأصل مستخلصة من الحياة الواقعية
2- الشمول الكلي : الفلسفة الفردية غالبا ما توجد في حالة ضمنية غير واعية لأن الإنسان العادي يتسم بالميل إلى التقليد والانسياق مع تيار الحياة الجارية ولا يتمتع بالدهشة الفلسفة أو الروح النقدية أو الدربة البحثية ولذا فإن أفكاره ليست منظمة ولا تقوم على يقين عقلي بل على مجرد القبول والتسليم وهذا هو السبب في أنه كثيرا ما يعجز عن بيان أفكاره ومعتقداته وشرحها للآخرين رغم وجودها في ضميره بصورة غير واعية
أما الفلسفة العلمية / فهي عقلانية واضحة والفيلسوف المنهجي يضع أفكاره بصورة صريحة ظاهرة ومنظمة ومترابطة إذ يحدد أسسها العقلية ويستخلص نتائجها المنطقية في وضوح واتساق فكري ولذا فهو يكون قادرا على عرضها بدقة والإجابة عما قد تثيره من إشكالات وذلك بسبب ما يتمتع به من موهبة عقلية غير عادية ومن دربة ومنهجية وخبرة بالتراث الفلسفي
3-التسامح الفكري : الفلسفة الشخصية تتسم عادة بضيق الأفق والانحصار في الذات وقلما يشعر صاحبها ما لم تصادفه ظروف غير عادية بحاجته إلى مراجعة نفسه أو الإفادة من غيره وقد يركبه الغرور أو التعصب فيظن أنه قد احتوى الحكمة كلها ولا يشعر بالحاجة إلى الاستماع إلى الآخرين وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى ظروف حياته العملية وضيق نطاق تجربته وخبرته ولكن الفلسفة الفنية المتخصصة تمتاز بسعة الأفق والفيلسوف المنهجي المدرب
4-الصياغة الفنية الاصطلاحية : أخر ما نعرضه من فروق بين الفلسفتين هو أن الفلسفة الشخصية تصاغ عادة في لغة بسيطة ساذجة إن لم يعجز صاحبها تماما عن عرضها أما الفلسفة المنهجية فإنها تصاغ عادة في لغة فنية تزخر بالمصطلحات والعبارات الدقيقة التي تحتاج إلى خبرة ودراية لتحديد مدلولاتها العلمية وهذا ناشئ من طبيعة المعاني التي تعبر عنها الفلسفة الفنية إذ هي عادة من الدقة والتجرد والتعقيد أحيانا بحيث يتعذر وضعها في لغة بسيطة عادية تجنى عليها وتشوهها أو تضيق عن استيعاب معانيها المركبة الدقيقة

ب- خطوات الموقف الفلسفي : لمعرفة طبيعة الموقف الفلسفي الذي يميز طريقة الفيلسوف في تناول شئون الواقع عن طريقة الرجل العادي في هذا التناول فنعرف بذلك كيف يظهر الفلاسفة وكيف يفرزون أفكارهم ومذاهبهم التي تتسم بالسمات الأربع فنقول إن سمات هذا الموقف الفلسفي هي :
1- الابتعاد عن تيار الحياة والعودة إلى الذات أي إلى حياة التأمل والفكر والمقصود بهذا أن الفيلسوف لا ينساق كما هو شأن الرجل العادي مع أحداث الحياة وثرثرتها اليومية ويستهلك نفسه مع مطالبها العملية ويتقبل أحكامها الذائعة بل إنه يجد نفسه مضطرا أن ينخلع من هذا التيار العادي بسبب ما يعانيه من قلق وحيرة ودهشة ويمكن أن نقول إن الفيلسوف يقوم بعد ذلك برد الواقع إلى ذاته المفكرة وليس المقصود بذلك هو استمراؤه الحياة الباطنية بعيدا عن الواقع ومشكلاته بل المقصود هو استخلاص مشكلات الواقع ودراستها ولكن في صورة مجردة كلية
2- والمرحلة الثانية / العودة من الذات إلى الواقع الحيوي من جديد ولكن من خلال رؤية فلسفية جديدة أو تأويل كلي للظواهر يعيد تركيبها في نسق واضح مفهوم بعد أن كانت مهمته في المرحلة السابقة تنصب أساسا على تحليلها وتشريحها ولعله قد اتضح لنا الآن أن الفلسفة ليست تهويما وانقطاعا عن العالم أو استعلاء على الواقع ومشكلاته

أبوخالد320 12-17-2012 05:22 PM

ج- تطور معنى الفلسفة ومهمتها:
لقد تطور معنى الفلسفة في مختلف العصور فاتسع يوما حتى شمل كل ألوان المعرفة الإنسانية وضاق حينا حتى قصره البعض على البحث المنطقي أو التحليل اللغوي لمصطلحات العلم ولعله من الخير أن نستعرض بعض الاتجاهات حول معنى الفلسفة والتفلسف وما يرابط بذلك من مهمة أو رسالة يقوم بها الحكيم أو الفيلسوف في الحياة الإنسانية وهي :

1- الاتجاه ألتساؤلي : ويفهم أصحابه الفلسفة على نحو عام بالغ العموم إذ هي عندهم إثارة الأسئلة وبث روح التعجب والدهشة التي تدفع إلى التفكر والبحث حوار مع الذات او مع الآخرين حول حقائق الحياة والوجود
وقد يعد سقراط نموذجا للفيلسوف ألتساؤلي : بدهشته الحكيمة وإثارته للمشكلات الجادة وحواره الخصيب الذي يولد المعاني من الأذهان ويستنبت الأفكار في القلوب وبتواضعه النبيل إذ لايدعي امتلاك الحقيقة بل هو يشعر في أعماقه أنه مملوك لها أو خادم من خدامها _ إن الفلسفة التساؤلية تتجه إلى دعم الروح والفلسفة التي هو جوهر التفلسف وروح الدهشة والرغبة في البحث والتعشق الصادق للحقيقة
2- الاتجاه التقليدي : ولكن هناك اتجاه غلب على الفلسفة والفلاسفة من قديم ولازال له أنصار بين المعاصرين برغم ما تعرض له من نقد في القرون الأخيرة وهو الاتجاه الذي يعني بالبحث العقلي عن طبائع الأشياء وحقائق الوجود وقد لا يدفعه سوى حب المعرفة ولذة الكشف عن الحقيقة
ومن الواضح أن هذا الاتجاه :
أ‌- يعمد إلى بناء تصور شامل للكون والحياة والإنسان
ب‌- أنه يتخذ العقل أداة أساسية لبناء هذا التصور
ت‌- وأن الميتافيزيقا (الغيب) تحتل مكانا أصيلا في هذا البناء الشامل
ث‌- وأن الباعث الأساسي له على ذلك هو لذة المعرفة والتطلع والإدراك لحقيقة الوجود ولمعنى التجربة الإنسانية ولكنه لا يهمل البواعث العملية تماما

3- الاتجاه الوضعي : وأصحابه من أتباع (أوجست كونت 1857) لا يعترفون إلا بالواقع المحسوس الخاضع للملاحظة والتجربة ويعتبرون كل قضية لا تدل على شئ يمكن إدراكه بالحس وإخضاعه للتجربة قضية غير ذات موضوع ومنها القضايا الميتافيزيقية جميعا وهم ينكرون على الفلاسفة إسرافهم في الطموح وتطلعهم لمعرفة حقائق الأشياء وجواهر الموجودات وينادون بأن الفلسفة معناها الميتافيزيقي التقليدي قد اختفت وتلاشت
4- الاتجاه العملي : وهو اتجاه لا يقصر مهمة الفلسفة على فهم العالم وتصور الوجود او إفراز الأفكار والنظريات حول طبيعة الكون ومكانة الإنسان فيه وإنما يركز على الدور العملي للأفكار أو قل إنه يربط بوسائل مختلفة بين الفكر والعمل ويمكن القول بأنه يشمل موقفين

أ‌- الموقف البراجماتي : الذي يقوم أساسا على أن العقل موجه بفطرته إلى العمل دون النظر وأن الفكر مجال أو أداة للعمل المنتج لا للتجريد المبهم وهم بالتالي ينفرون من كل نظر عقلي مجرد يدعي كشف الحقيقة ويقتصر على مجرد المعرفة ويعتقدون مع جون ديوي 1952م أن الأفكار لا قيمة لها إلا متى تحولت إلى أفعال تؤدي إلى إعادة تنظيم العالم الذي نعيش فيه وتسلم إلى إعادة بنائه بطريقة ما فمحك الفكرة هو التجربة ومن الخطأ أن يقال إن الأفكار تعكس الحقيقة الموضوعية وأن مقياس صوابها هو في مطابقتها لتلك الحقيقة التي تعكسها بل هو يكمن في النتيجة التي تؤدي إليها وهؤلاء البرجماتيون وإن كانوا يختلفون عن الوضعين في أنهم يجعلون للميتافيزيقا مكانا في الفلسفة إذا ما أمكن أن تؤدي الأفكار الميتافيزيقية إلى نتائج عملية فهم في الحقيقة ينزعون من الفلسفة سلطاتها التقليدية كوسيلة للتوصل إلى الحقيقة وإلى مقياس لها في الوقت نفسه ويكلون ذلك كله إلى التحقق والتجربة وإذن فالحق والباطل سينتهي في التحليل الأخير إلى النجاح والفشل بل الفضيلة ستنتهي إلى أن تكون عبارة عما يحققه الفعل الفاضل من منفعة في حياة الإنسان
ب‌- الموقف الماركسي : تعتبر الماركسية الفكر الفلسفي أداة للتغيير الاجتماعي بكشفه عن قوانين التطور التاريخي وهي تعتنق المادية الجدلية التي هي تطوير لفلسفة هيجل وفيورباخ وغيرهما من المفكرين الغربيين يهدف إلى كشف أعم للقوانين الجدلية التي تحكم تطور العالم المادي وطرق معرفة هذا العالم وتحوله الثوري كل صور المثالية في الفكر وتكافحها وتعتبر كل فكر غيبي ينتسب إلى شئ وراء العالم المادي خرافة باطلة إذ لا شئ وراء المادة وكل صور الفكر هي مجرد أنعاكس للواقع المادي وكل النظم والأوضاع الاجتماعية هي بنية فوقية ومن ثم فهم يعتبرون المفكر الثوري أي المعتنق للمادية الجدلية والمادية التاريخية مناضلا لا فيلسوفا بالمعنى التقليدي

5- الاتجاه الروحي : وهي نزعة فكرية لها ممثلوها في مختلف العصور يمكن أن يمثل لها بالأفلاطونية المحدثة قديما ويبعض المفكرون المعاصرين حديثا مثل أميل بوترة وبروجسون الذين يعارضون الاتجاه المادي في الغرب ويرفضون إقامة الفلسفة على الأساس المادي وحده ويؤكدون على الطابع الروحي في بناء الوجود وطبيعة الحقيقة النهائية ويمكن أن نقول إن الاتجاه الروحي في الفلسفة يتميز عن الاتجاهات السابقة في نظرته إلى منهج الفلسفة غايتها فهو من حيث المنهج لا ينكر العقل ولكنه ينكر الإسراف في تقديره ويلفت النظر إلى أهمية الحس أو الإدراك الروحي المباشر في الوصول إلى جوهر الحقيقة وهو من حيث الغاية يعتبر أن المهمة القصوى للفلسفة الحقيقية هي كما يقول أفلا طين (الكشف عن الإله ثم الاتصال به)



يتبع

أبوخالد320 12-17-2012 05:23 PM

الفصل الثاني – علاقة الفلسفة بالدين والعلم والفن
من أبرز جوانب الثقافة الإنسانية (الفلسفة – الدين – العلم – الفن )

1- بين الفلسفة والدين : يعرف أسلافنا الدين عادة بأنه / وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المال وربما كان التعريف التالي لباحث معاصر أكثر وضوحا وشمولا ودقة
الدين ..... هو الإيمان بذات إلهيه جديرة بالطاعة والعبادة
ثم يضيف / إن هذا هو معنى الدين إذا نظرنا إليه من حيث هو حالة نفسية بمعنى التدين أما إذا نظرنا إليه من حيث هو حقيقة خارجية فنقول : هو جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك القوة الإلهية وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق العبادة
العلاقة بين الدين والفلسفة لا ترجع فقط إلى ناحية تاريخية بحتة حيث تبادل التأثر والتأثير كما سلفت الإشارة بل ترجع إلى ما هو أعمق من ذلك في الواقع وهو وحدة الهدف والموضوع فمطلب الفلسفة هو معرفة أصل الوجود وغايته ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والأجل هذان هما موضوعا الفلسفة بقسميها العلمي والعملي وهما كذلك موضوعا الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع بقسميها
أما بالنسبة للفلسفات التي تلتقي مع الأديان في الاعتراف بوجود وراء المادة المحسوسة وتقول بصانع قادر للعالم فهي بدورها تختلف عن الأديان ويمكن أن نجد هذه الفروق في محاولات بعض الفلاسفة في العصور المختلفة المقارنة بين كل من الدين والفلسفة




ففي العصر الوسيط / يمكن أن نضرب المثل بمفكرين مسلمين يستمدان الكثير من أرائهما من الدين الإسلامي ولكنهما يتأثران في الوقت نفسه بمصادر أخرى ونعني بهما الفارابي وابن سينا ونجد أن نظرتهما إلى الصلة بين الدين والفلسفة تخلو من الدقة
يحاول أولهما بيان العلاقة بين الفلسفة والأديان فيقول (إن الأولى تحاول الكشف عن حقائق الأشياء عن طريق البراهين اليقينية بينما تكتفي الأخيرة بعرض أمثلة الحقائق معتمدة على الإقناع لا البرهان
أما ابن سينا / فيتجه في المقارنة اتجاها أخر زاعما أن الدين والفلسفة وإن اتفقا في العناية بالحق والخير إلا أن هذه العناية متفاوتة بينهما بناء على أن الشريعة الإلهية يستفاد منها مبادئ الحكمة العملية وحدودها على الكمال أما الحكمة النظرية فإن الشريعة تعني بمبادئها فقط تاركة للقوة العقلية (أي الفلسفة) أن تحصلها بالكمال على وجه الحجة ولكن الواقع كما يشهد القرآن يدل على أن العناية بتفاصيل العقيدة وبراهينها لاتقل عن العناية بأحكام الشريعة العملية فلا محل لهذه المقارنة السينوية أيضا

وفي العصر الحديث / يحاول طائفة من علماء الغرب المقارنة بين الفلسفة والدين على النحو التالي :
1- الفلسفة يضعها الأفذاذ من ذوي العقول الكبيرة أما الديانة فهي من صنع الجماهير والشعوب
2- الدين يورث عادة عن الأسلاف بينما يضع الفيلسوف مذهبه بناءا على رأيه وملاحظاته الشخصية
3- الفلسفة متجددة مرنة بينما يميل الدين إلى الثبات والمحافظة
4- الديانة تعيش بنفوذ الدولة وسلطانها بينما تعتمد الفلسفة على قوتها الفكرية الذاتية

الإيمان / معرفة تتجاوب أصداؤها في أعماق الضمير وتختلط مادتها بشغاف القلوب فلا يجد الصدر منها شيئا من الضيق والحرج بل تحس النفس فيها ببرد وثلج والإيمان تذوق ووجدان يحمل الفكرة من سماء العقل إلى قراره القلب فإذا كان موضوع الإيمان الحقيقة الكبرى والمثل الأعلى فهنالك تتحول الفكرة قوة دافعة فعالة خلاقة ولا يقف في سبيلها شئ في الكون إلا استهانت به أو تبلغ هدفها ثم يعقب مستخلصا للفروق على نحو تفصيلي
1- غاية الفلسفة المعرفة وغاية الدين الإيمان
2- مطلب الفلسفة فكرة جافة ومطلب الدين روح غلابة وقوة محركة
3- الفلسفة تعمل في جانب من جوانب النفس والدين يستحوذ عليها جميعا
4- غاية الفلسفة نظرية حتى في قسمها العلمي وغاية الدين إلى التدفق والاتصال
5- الفلسفة تميل إلى التقوقع والاستعلاء بينما ينزع الدين إلى التدفق والاتصال
6- الأديان السماوية المستندة إلى الوحي صنعة إلهية لاتأتي عن اكتساب وسعي بشري بينما الفلسفة تقوم على الجهد البشري والخبرة الإنسانية المحدودة بحدود واضعيها















بين الفلسفة والعلم / نذكر من البداية أن المراد بالعلم حيث يذكر مقابلا للفلسفة هو العلم الطبيعي القائم على المنهجين التجريبي والرياضي أما الفلسفة وقد عرفنا معناها فقد كانت على علاقة بالعلم كما تبين منذ ظهور الفكر الفلسفي عند اليونان بالمعنى التقليدي بل كانت مرادفة للعلم تقريبا في العصر القديم إلا أن العلوم بدأت تنفصل عن أمها الفلسفة تدريجيا على مر العصور وأصبح كل علم منا يتخذ مجالا خاصا من مجالات الوجود موضوعا لبحثه فالرياضيات تبحث في الوجود من حيث الكم والطبيعيات في الوجود من حيث الكيف
وبالاستقلال التدريجي للعلوم عن الفلسفة فقد أصبح للعلم موضوعاته التي يبحثها منهجه الذي يتميز به وله تعريفاته التي تحدد طبيعته ومن أشهر التصورات الذائعة للعلم أنه ضرب من المعرفة التي يحصلها الإنسان عن العالم الخارجي أو هو تنظيم المعلومات وتصنيفها مع ربطها والعمل على تفسيرها ويمكن أن نحصر الفروق المميزة بين ماهو فلسفة وماهو علم بالمدلول الحديث فيما يلي :
1- غاية العلم وصف الظواهر والكشف عن قوانينها أما الفلسفة فإنها تحاول تفسير ما تصل إليه العلوم من نتائج عن الحقيقة ولهذا فإن الفلسفة وإن كان من واجبها ان تعتمد على أخر ما وصل إليه العلم في عصرها فإن العقل الفلسفي يؤلف بين النظريات العلمية للوصول إلى نظرية عامة يفسر بها طبيعة الكون ولا يكتفي بتجميع النتائج التي تنتهي إليها بالبحوث العلمية
2- العلم ينتقل من الموضوع إلى الموضوع دون تدخل الذات طبقا لقواعد المنطق الاستقرائي الذي يقوم على الملاحظة والتجربة أما في ميدان الفلسفة فنحن تنتقل من الموضوع أي من العالم الخارجي إلى الذات ثم نتجه إلى العالم الخارجي من خلال الذات فالخلوة إلى الذات أي التأمل شرط التفلسف كما سبق إيضاحه كما أن الفلسفة تعتمد على أسلوب التحليل والتركيب العقليين لا على الملاحظة والتجربة
3- العلم يبحث عن العلل القريبة للظواهر بينما تبحث الفلسفة عن عللها البعيدة ومبادئها الأولى
4- الفلسفة هي علم الوجود الكلي بينما تقتطع العلوم أجزاء من هذا الكل لتكون موضوعات لدراستها فتكشف العلوم عن قوانين سير الظواهر في نطاق هذه الأجزاء فحسب
5- الموضوعية في العلم وهي شرط أساسي لضمان صحة البحث العلمي أما الموضوعية في الفلسفة فلا تكون إلا بالتأمل أو التحليل العقلي
6- العلم التجريبي يقوم الآن على دراسة الظواهر دراسة كمية أي إخضاعها للمقاييس الكمية مهملا بذلك بعض الجوانب الهامة للظواهر كما يقول برجستون فيقيس مثلا المظاهر الفيزيقية للحالات النفسية ويقيس أيضا طول الموجات الصوتية والضوئية وأبعاد الأجسام أما الفلسفة فإنها تحتفظ بالخاصية الكيفية للظواهر وتحاول وصفها ومن ثم كانت أقرب للواقع الوجودي
7- بينما يصف العلم الظواهر بطريقة تقريرية أي كما هي قائمة في الوجود نجد طائفة من العلوم الفلسفية المسماة بالعلوم المعيارية كعلم الأخلاق وعلم الجمال تبحث فيما ينبغي أن يكون عليه السلوك الأخلاقي أو العمل الفني


بين الفلسفة والفن / قد يقال إن الفلسفة تهدف إلى الكشف عن الحق بينما موضوع الفن هو الجمال تجريدية نظرية بينما يعمد الفن إلى التصوير والتجسيد وأن الفلسفة تقصد إلى الإقناع أو الإثبات ألبرهاني بينما يترك الفن أثرا عاما هو إلى المتعة واللذة الروحية والتجربة النفسية العميقة أقرب من مجرد المعرفة العقلية برهانيه كانت أو خطابية ويعرض مفكر مصري معاصر للعلاقة بين الفلسفة والفن فيقول : الفلسفة تجريد والفن تجسيد فهما على هذا التعريف نقيضان أو طرفان متقابلان أو هما على الأقل شيئان مختلفان
وخلاصة القول / إن الفيلسوف لا يشغل مكان الفنان والفنان لا يشغل مكان الفيلسوف على أية حال
والسبب الأصيل الذي ترجع إليه تقديرات الفلاسفة في الحكم على الفن هو موقفهم من قيمة المحسوسات بالنسبة إلى الحقائق
فالفلسفة لا تستغني عن الفن وهي تتخذه أسلوبا للعرض وأداة للتعليم وفي القديم تبرز محاورات أفلاطون وفي الحديث نجد أعمال الوجوديين الأدبية وفي العصر الوسيط نجد الأدب الصوفي الإسلامي نموذجا واضحا لامتزاج المضمون الفكري العميق بالشكل الفني الدقيق من خلال منظور فلسفي فني في الوقت نفسه

الفصل الثالث – أقسام الفلسفة أو تصنيف العلوم الفلسفية
من الصعب تصنيف علوم الفلسفة أو جملة المعارف مادام معنى الفلسفة نفسه يتغير ويضيق ويتسع من عصر إلى عصر ولكن لا بأس من محاولة في هذا الاتجاه تزيد معرفتنا بالفلسفة من حيث مضمونها ومحتواها ولعل أقدم ما روي من تصنيفات هو ما ينسب إلى أفلاطون الذي قسم العلوم الفلسفية إلى ثلاثة أولها الجدل ويشمل عند النظر في المعرفة الإنسانية وفي مسائل ما بعد الطبيعة
الثاني : العلم الطبيعي / ويشمل الفلسفة الطبيعية وعلم النفس
الثالث: الأخلاق ومهمته دراسة السلوك الإنساني
أما أرسطو : فقد كان يستخدم كلمة (الفلسفة النظرية ) للدلالة على علوم الرياضة والطبيعة والإلهيات
وفي أوائل العصر الحديث قسم فرنسيس بيكون العلوم الفلسفية على أساس جديد هو تقسيم القوى العقلية التي تحصل بها المعرفة وهي
1- الذاكرة ونحصل بها على التاريخ
2- المخيلة ونحصل بها على الشعر
3- المفكرة أو العاقلة ونحصل بها الفلسفة
ثم قسم الفلسفة بدورها باعتبار موضوعاتها إلى ثلاثة أقسام :
1- الفلسفة الإلهية وموضوعها الله سبحانه وتعالى
2- الفلسفة الطبيعية وموضوعها الطبيعة أو العالم
3- الفلسفة الإنسانية أو (الإنثروبولوجيا ) وموضوعها الإنسان
أما كرستيان وولف الذي جاء بعد فرنسيس بيكون فإن تقسيمه للعلوم الفلسفية استند إلى أساس سيكولوجي إذ فرق بين القوة الإدراكية وبين ما سماه القوة النزوعية أو الإرادية وبناء على ذلك قسم الفلسفة إلى نظرية وعملية
أما من حيث الموضوعات التي يتضمنها كل قسم فإن الفلسفة النظرية عنده تبحث في الله والعقل والعالم بينما تشمل الفلسفة العملية علوم الأخلاق والاقتصاد والسياسة ولعله من الخير أن نعرض لتقسيم شاع أخيرا بين دراسي الفلسفة لا لكي نتبناه أو نروج له بل لمجرد الاستعانة به على استكشاف الرقعة الفكرية التي مازالت في الوقت الغالب تخضع لنفوذ الفلاسفة وهذا التقسيم المشار إليه يعتبر أن الفلسفة لا تزال تتمتع بموضوعات بحثها المستقلة التي تشمل ميادين رئيسية ثلاثة هي الوجود – المعرفة – القيم

أبوخالد320 12-17-2012 05:24 PM

أولا : مبحث الوجود أو الانطولوجيا :
ويهتم بالنظر في طبيعة الوجود على الإطلاق مبينا خصائص الوجود العامة من عدة أوجه : طبيعة العالم ويبحث أيضا في صفات الله سبحانه وعلاقته بمخلوقاته وطبيعة الوجود من حيث كونها مادية أو روحية أو مزاجا منهما معا إلى أبحاث أخرى تتناول طبيعة الوجود وخصائصه العامة
وقد يطلق على هذا البحث أيضا (الميتافيزيقا) أو ما بعد الطبيعة وقد نشأ هذا الاسم بطريقة عرضية بسبب الترتيب الذي وضعه ناشرو كتب أرسطو في منتصف القرن الأول قبل الميلاد
و لايزال بعض الباحثين المعاصرين يسمى هذا المبحث الأول من مباحث الفلسفة (الميتافيزيقا ) ثم يقسم محتوياته بعد ذلك تقسيما داخليا إلى ثلاثة فروع :
1- الفرع الأول/ الانطولوجيا أو البحث في المبادئ العامة للوجود المطلق كالوجود والعدم والحركة والسكون والتغير والثبات والضرورة والإمكان بما فيها المباحث الإلهية سلبا أو إيجابا ونحو ذلك
2- الفرع الثاني : الالكسمولوجيا وهي البحث في العالم المادي نفسه وصورته العامة وأقسامه وكل ما يتعلق بتكوين نظرية شاملة عن العالم
3- الفرع الثالث : السيكولوجيا وهي البحث في النفس الإنسانية وما يتعلق بها من ظواهر
ويرى بعض الباحثين العرب أن أخطر جوانب القصور في الفلسفة الحديثة هو قلة عنايتها بها الجانب الذي هو الفلسفة الحقيقية في نظر المعلم الأول

ثانيا / نظرية المعرفة أو الأيستمولوجيا : وهو العلم الذي يبحث في المسائل المتصلة بطبيعة العلم الإنساني من حيث إمكانه ووسائله وصوابه وخطؤه وحدوده التي يقف عندها ولم يكن هناك حد فاصل بين مبحثي الوجود والمعرفة عند أفلاطون وأرسطو ويرى البعض أن الفيلسوف الإنجليزي (جون لوك) هو واضع أسس نظرية المعرفة في ثوبها الحديث بكتابه الهام (مقالة في التفكير الإنساني ) الذي نشر سنة 1690م وبحث فيه أصول المعرفة الإنسانية وهي عنده الإدراك الحسي أو الإحساس والإدراك العقلي والموضوعات التي تبحثها نظرية المعرفة هي بوجه عام كما يرى البعض تتمثل في
الموضوع الأول / البحث في إمكان المعرفة : ويقع الخلاف هنا بين مذهب مذهب اليقين أو مذهب الدوجماطبقيين ومذهب الشك الذي ينقسم إلى شك مذهبي ينكر المعرفة أو يقول بنسبيتها وشك منهجي يتخذ الشك سبيلا للوصول إلى الحقيقة
الموضوع الثاني / البحث في مسالك المعرفة أو الطرق الموصلة إليها ، ويطالعنا في هذا الصدد :
أ‌- العقليون ويرون أن العقل مستقل عن التجربة وهو بنفسه مصدر المعرفة
ب‌- الحسيون ويذهبون إلى أن الحس هو المصدر الوحيد للمعرفة
ت‌- النقديون ويقيمون نظرية المعرفة على الحس والعقل معا مع تحديد دور كل منا في الوصول إلى الحقيقة

الموضوع الثالث / البحث في طبيعة المعرفة وتشمل مسائل عديدة منها : حقيقة موضوع المعرفة وهل هو مستقل عن قوانا العارفة ؟ كما يقول الواقعيون باتجاهاتهم المتعددة أم هو مطابق لأفكارنا أو تابع لها على نحو ما ويطالعنا هنا المثاليون بمواقفهم المتعددة كالمثالية المفارقة عند أفلاطون والمثالية الذاتية عند كل من باركلي وكانت والمثالية المطلقة عند هيجل
ثالثا / مبحث القيم أو الاكسيولوجيا / الأن وقد عرضنا للمباحث الثلاثة التي تعد في نظر الأكثرين من المعاصرين هي موضوع الفلسفة الأساسي لعله من الخير أن نذكر طالب الفلسفة بأن هناك مجموعة من الدراسات وثيقة الصلة بتخصصه بل هي تلحق بالدراسات الفلسفية عند طائفة من مؤرخي الفلسفة وتستقطب اهتمامات الفلاسفة أحيانا تبعا لظروف ثقافية أو اجتماعية معينة وتسمى أحيانا فلسفة الثقافة أو الحضارية وهذه الدراسات تشمل :
1- فلسفة القانون / ويبحث في الأسس التي تقوم عليها القواعد القانونية وفكرة العدالة وصلة القانون بالأخلاق والمفهومات العامة في الفكر القانوني كالمسئولية والجزاء والنية والإرادة والقصد والعلية والحرية بالإضافة إلى محاولة وضع نظرية عامة في طبيعة القانون وأهدافه بصفة عامة
2- فلسفة الدين / ويفرقون بينها وبين علم اللاهوت أو الثيولوجيا الذي يهتم بدراسة عقيدة معينة أو الدفاع عنها بأن فلسفة الدين تبحث في المفاهيم والأصول العامة للدين بالمعنى العام كمفهوم الإلوهية والوحي والعبادة والخلود
3- فلسفة التاريخ / وتدرس القضايا المتصلة بتطور الإنسانية بوجه عام واتجاهاته وتهدف لتفسير التاريخ الإنساني ويتم ذلك عادة في ضوء نظرية فلسفية معينة وعلى أية حال فإن القوي والنظم التي تدفع وتحكم مسار التاريخ الإنساني والتصورات المختلفة حولها هي موضوع هذا الفرع من الدراسات الفلسفية
وأخيرا فإن من هذه الفروع الملحقة بالفلسفة أيضا ألوانا أخرى من الدراسة كفلسفة التربية وفلسفة الاقتصاد وفلسفة السياسة وكانت جميعها فروعا للأخلاق
الباب الثاني – نظرة عامة إلى تاريخ الفكر الفلسفي – تمهيد – التفلسف بين الشرقيين والغربيين
الواقع أن أكثر مؤرخي الفكر من الغربيين قد اعتادوا أن يرجعوا نشأة الفلسفة إلى الطبيعيين الأوائل من مفكري الإغريق قبل ظهور سقراط وربما تابعهم في ذلك بعض الشرقيين وإن كانت هذه النقطة موضع خلاف قديم فقد اعتبر أرسطو أن طاليس هو أول الفلاسفة بينما ذهب ديوجانس في القرن الثالث . ق.م إلى أن الفلسفة ترجع إلى تراث الشرق القديم وتحدث عن فلاسفة مصريين وشرقيين ونحن نعتقد بصحة هذا الرأي الأخير لسبب بسيط جدا هو أن هذه المسألة في جوهرها تاريخية لا نظرية على أنه ربما كان من المناسب أن نشير هنا إلى نقطتين :
1- أن دوافع المؤرخين الأوربيين أو الغربيين عامة في النزوع إلى الرأي تتمثل في الاعتزاز بأنفسهم وأصولهم الحضارية ونظرتهم غير الموضوعية الشعوب الأخرى وميلهم إلى اعتبار أوروبا مركز العالم وأم الحضارة
والحق أن التفكير الفلسفي كما يقول باحث أوروبي أخر لم يكن يوما من الأيام وقفا على قوم أو على شعب دون شعب وقد تتبع الشيخ مصطفى عبدا لرزاق فكرة التميز بين الساميين والآريين التي نادي بها المفكر الفرنسي رينان 1982م الذي يقول (ما يكون لنا أن نلتمس عند الجنس السامي دروسا فلسفية ) وكيف حاول أتباعه إلباس هذا التعصب الجنسي ثوب العلم ومازال هناك في القرن الحالي من لا يستكشف من تبني هذه الفكرة التي هي كما يقول الدكتور الطويل من الخواطر التي أملاها التعصب الجنسي أو الديني أوهما معا . إن كل ما نريد قوله هو أن الفلسفة كظاهرة ثقافية لا يمكن أن تنفصل عن التيار الثقافي العام أو المحلي وأنها تأخذ لونها وأحيانا أساسها من الثقافة المعاصرة لها وهذا هو حكم الواقع مع احترامنا للروح النقدية والتحررية التي يتشبث بها الفلاسفة
ولكن من الحق علينا وهذه النقطة الثانية أن نذكر أيضا أن بعض الأوروبيين قد دفعتهم روح الإنصاف إلى رؤية الأمور في وضعها الطبيعي ومادام (سانتهلير) قد ذكر العلم أيضا فلنرجع إلى واحد من أشهر مؤرخيه وهو سارتون الذي دفعه الإنصاف إلى القول بأن المنهج الغربي في البحث في أصول الفكر الإنساني وضع لنفسه حدودا لا يتعداها متقيدا با لفكرين العبري والإغريقي وحدهما

الفصل الأول – الفكر الفلسفي في العصر القديم : إن الإسهام الفكري الذي قدمته كل من الهند والصين للتراث الفلسفي في العصر القديم على جانب كبير من الشهرة والأهمية أيضا ويكفي أن نشير في سرعة إلى :
1- كتب الفيد الهندية التي يرجع تاريخها إلى أكثر من ألف عام قبل الميلاد والتي قام على أمرها كهنة من البرامهة ذوو علم ونظر استطاعوا أن يستخلصوا منها نظريات في المعرفة والوجود وأن يرتبوا على ذلك ضربا من الحكمة العملية ترمي إلى التحرر من الألم والوهم
2- وأما عن الصين فأناشيدها الدينية ترجع إلى أكثر من ألف عام قبل الميلاد أيضا ولكن في وقت معاصر لازدهار الفكر الإغريقي القديم نشأ فيها نوع من الفلسفة ذو نزعة عقلية واتجاه عملي من أبرز رجاله (لاوتسي 604 ق .م ) و(كونفوشيوس 479 ق.م) وهما من الشهرة بمكان مرموق
3- وهناك لدى الشعوب الشرقية الأخرى كالبابليين والأشوريين والعبرانيين وقد مر بنا اعتراف الأوربيين بكونهم مدينين للفكر العبري بحكم صلته بالمسيحية وإسهامه في الثقافة الغربية تراث فلسفي قد يغلب عليه الطابع الديني أو الأسطوري ولكنه مرحلة هامة في تطور الفكر الإنساني ولا يخلو من أثر على فكرنا المعاصر ويكفي أن نشير إلى ديانة الصابئة وأثرها الذي لا يزال مستمرا إلى اليوم في مناطق مختلفة من العالم العربي ولعله مما يكفي لتحقيق غرضنا هنا وهو بيان أهمية الفكر الشرقي الفلسفي القديم أن نعرض نموذجين اثنين منه :
1- الفكر الفارسي - زرادشت والزرادشتية / كان الفرس القدماء يعبدون ألهة عدة بعدد قوى الطبيعة ومظاهرها المختلفة ثم مالوا إلى تقديس العناصر الأربعة أو ما يماثلها وجرى العامة في عبادتهم على طقوس شنيعة تصل إلى حد تقريب القرابين البشرية حتى جاء زرادشت فحاول الارتفاع بهم إلى لون من الوحدانية وإن لم يخل من أثار الثنوية القديمة وعرض مذهبا في الميتافيزيقا والكون والإنسان له قيمة فلسفية عالية ولكن النصوص التي تعبر عن هذا المذهب لم يتم جمعها كما هي الآن إلا في وقت متأخر حوالي القرن السادس بعد الميلاد وعرفت ب (الزندافيستا ) ولكثرة الأساطير التي نسجت حول شخصية هذا الداعية الفارسي فقد مال البعض إلى إنكار وجود التاريخي ولكن البحوث الحديثة تؤكد أنه ليس مجرد شخصية أسطورية وأنه قد عاش فعلا فيما بين القرنين 8-6 قبل الميلاد والذي يهمنا هنا هو تصوير أرائه في مجالات الفلسفة الرئيسية الثلاث الميتافيزيقا والطبيعة والإنسان

أ‌- الميتافيزيقا / ورث زرادشت عن أساتذته فكرتين أساسيتين أولاهما هي وجود نظام في العالم والأخرى هي وجود الصراع فيه لقد كان إسلافه يعبدون مجموعة من الأرواح الخيرة ردها هو إلى وحدة جامعة اسماها (أهورامزدا) إله الخير أما قوي الشر التي تقربوا إليها خوفا فقد ردها إلى وحدة أخرى اسماها (دروج أهرمان ) ومن ثم فقد انتهى إلى مبدأين للوجود يمكن أن يفسر في ضوئها ما يجري في هذا العالم
ب-العالم / إذا انتقلنا إلى تصور زرادشت للعالم فإننا نجد أن ثنويته تقوده إلى أن يقسم العالم أو الموجودات الكونية إلى نوعين أو قسمين أولهما الموجودات الحقيقية الخيرة الفائضة عن القوة والخلاقة لروح الخير والثاني يتمثل في الموجودات الظلية السلبية أو الهدامة الفائضة عن روح الشر
ت‌- الإنسان / والبشر كغيرهم من المخلوقات مشاركون في هذا الصراع الكوني ومن واجبهم أن يكونوا في جانب إله الخير الذي سوف يحرز النصر في النهاية ويقهر روح الظلام والشر وهكذا فإن ميتافيزيقا زرادشت كميتافيزيقيا أفلاطون تنص على الأخلاق وتلاتبط بشكل عضوي ورأي زرادشت في الطبيعة الإنسانية ومصيرها واضح وبسيط فهي نظرة مخلوقة وليست جزء من الإله كما يزعم بعض الكهنة قبله ورغم أن لها بداية في الزمن ففي مقدورها الحصول على الخلود الإلهي بالكفاح ضد الشرور في الجانب الدنيوي من نشاطها إنها حرة في اختيار أحد خطين فقط إما الخير وإما الشر فإذا اختارت النفس طريق الخير مضت إلى العوالم العليا متحررة من قيود الجسد وملكاته الحسية محتفظة بقواها الروحية متدرجة في المقامات التالية :
1- مقام الأفكار الطيبة 2- مقام الكلمات الطيبة 3- مقام الأفعال الطيبة 4- حتى تصل إلى مقام المجد الخالد حيث تتحد بأصل النور دون أن تفقد شخصيتها وقد تطورت هذه العقيدة الإيجابية المتفائلة النزاعة إلى التوحيد بعد موت مؤسسها في اتجاهين أحدهما يميل إلى توحيد خالص والأخر يميل إلى ثنوية صريحة
النموذج الثاني : الفكر المصري القديم
كشفت البحوث الحديثة عن وثائق وشواهد جديدة تتصل بالحياة الفكرية الروحية للمصريين القدماء تدل على تفكيرهم في الإلوهية ونزوعهم إلى التوحيد وفي الخلق وما يتسم به الوجود من توازن ووحدة وفي الأخلاق والنظم الاجتماعية ومن هذه الوثائق البالغة القيمة مايلي :
1- نصوص الأهرام وهي النصوص المحفوظة في أهرام الأسرتين الخامسة والسادسة ب(سقارة ) وتؤلف أقدم مجموعة من الكتابات وصلت إلينا من العالم القديم وتكشف عن أقدم فصل في تاريخ الإنسان العقلي وقد كشفت في 1880- 1881م ونشرها سنة 1890 لأول مرة العلامة ماسبيرو وترجع بواكير ها إلى القرن الثلاثين ق.م
2- نصوص التوابيت التي كشفت بعد ذلك وتمثل الفكر في عهد الدولة الوسطى ونشر منها عدة مجلدات وقد ألقت ضوءا جديدا على الفكر المصري القديم
3- أما كتاب الموتى الشهير الذي ترجم إلى لغات عديدة فيمثل مختارات من الأدب الجنائزي كانت منتشرة بصورة شعبية وهي مأخوذة من نصوص التوابيث و الأهرام وغيرها ويمثل فترة متأخرة نسبيا
هذا بالإضافة إلى منقوشا ت أخرى ومجموعات من البرديات ونصوص عديدة المتخصصين ودراستهم بقصد كشف الجوانب الروحية والاجتماعية والعلمية للفكر المصري القديم ولذا نكتفي هنا بلمحات سريعة عن بعض الجوانب الأساسية :
أ‌- الإلوهية / ولدت الحضارة المصرية في حضن الدين وفي أروقة الكهنة تطور العلم والفكر وكان للفرعون صفة روحية أو صلة بالإله ففي أسطورة اوزيريس مثلا تقول الأنشودة : ياأوزيريس يا مولى الأزلية والأبدية ويا ملك الإلهة
ب‌- العالم / يعرف المصريون القدماء فكرة شبيهة بتلك التي توجد لدى غيرهم من شعوب الشرق والتي سوف يتبناها بعض فلاسفة الإغريق فيما بعد وهي أن الأشياء كلها جاءت من الماء ويكن الماء نفسه وسائر الموجودات هي من خلق الإله الأعلى أيضا
ت‌- الإنسان / الإنسان مؤلف من جسم وروح وهناك شي ثالث يدعى (كا ) يشبه فكرة القرين أو الملاك الحافظ والعلاقة بين الجسم والروح لا تنتهي بالموت وقد اعتقد المصريون دوما في الخلود وربما كان هذا أحد أسرار إنجازاتهم الحضارية والحياة الآخرة وهي أبرز الحقائق في ضمير المصري القديم وإلى جانب هذا التقدم في الفلسفة الخلقية ظهرت أولى بوادر الفكر الاجتماعي الذي يهتم بعلل المجتمع وما يعتريه من كوارث ويرى أن للفكر دورا في إصلاح الأوضاع

يتبع

أبوخالد320 12-17-2012 05:26 PM

ثانيا : في الغرب – الفلسفة الإغريقية /
لا يخطر ببالنا قط أن نقلل من أهمية وأصالة الفلسفة الغربية كما تمثلت بواكير ها في المحاولات العبقرية لقدماء الإغريق الذين خطوا بالتفلسف خطوات فسيحة وأقدم ما وصل إلينا من تراث الفكر الإغريقي (الإلياذة – والأوديسة -) وهما ملحمتان ترجعان إلى القرنيين التاسع والثامن قبل الميلاد وتصوران العقائد الوثنية الشعبية والمفاهيم السائدة للحياة والأخلاق السياسية والحرب
الفلسفة الإغريقية قبل سقراط / اهتم المفكرون الإغريق في هذه المرحلة بالبحث الطبيعي والتساؤل عن نشأة الكون والعلة الأولى لذلك ونشأت لديهم اتجاهات متعددة في هذا الصدد تركز على التغيير والصيرورة كطابع أساسي للكون أو على الثبات والديمومة فيه أو على التناسق والعدد أو على مزيج من هذه السمات الثلاث ومن ثم يمكن أن نميز لديهم حينئذ أربع مدارس فلسفية لعل أقدمها :
أ‌- مدرسة الطبيعيين الأوائل / وقد أنشأها فريق من الأيونيين وهم أنجب القبائل اليونانية بمدينة ملطية على شاطئ أسيا الصغرى ولذا تسمى المدرسة الملطية والمدرسة الأيونية ومن أشهر فلاسفة هذه المدرسة : طاليس (624- 546 ق.م ): الذي يعد أول من وضع المسألة الطبيعية وضعا نظريا وبحثها معتمدا على العقل والملاحظة الواقعية وذهب إلى أن أصل الشئ هو الماء وأنه المادة الأولى والجوهر الأوحد الذي تكونت منه كل الأشياء وعلى أية حال فإن طاليس يبرر دعواه ويشرح تكون الأشياء جميعا من الماء بأن الماء يتخذ أشكالا مختلفة فيتحول بالحرارة إلى بخار ثم يتساقط مطرا بعد ذلك وقد يتحول بعد ذلك إلى تراب كما نشاهد مثلا على حد قوله في تكوين الماء لدلتا النيل ويعود التراب فيتحول إلى ماء كما نشاهد في الينابيع الأرضية مثلا الواقع أننا لا ندري على وجه التحديد هل استطاع طاليس أن يقيم حدودا فاصلة بين المادة والقوة الخالقة على صورة الإلوهية أو العقل أو نفس العالم ؟ والتفسيرات المختلفة لأقواله لا تخرج عن حدود التخمين والاحتمال
ب-اتكسيمندريس (610-547)/ وهو تلميذ طاليس وقد رأي أن الماء لا يصلح كميدا أول لأن الحار والبارد سابقان عليه فدعا المادة الأولى باللامتناهي وهي لا منتهية في نظره من حيث الكيف ومن حيث الكم أيضا فمن حيث الكم هي لا محدودة ومن حيث الكيف هي لا معينة وكانت هذه المادة الأولى تحتوي كل الأضداد في البدء مختلفة متعادلة (ثم انفصلت بحركة المادة) ونظريته القائلة باللامتناهي تنعكس على تصوره للوجود حيث يمده إلى غير حد في المكان وفي الزمان فيرى إن العوالم لا تعد ولا تحصى وأن الحركة الوجودية مستمرة في دور أزلي يتكرر إلى ما لانهاية
ث‌- اتكسيمانس (588- 524)/ وهو تلميذ أنكسيمندريس ولكنه عاد لاتخاذ موقف مشابه لطا ليس في مسألة المادة الأولى (وإن خالفه في إرجاعها إلى الماء إذ رأي أن هذا الشئ هو الهواء فهو لا متناه ويحيط بالعالم ويحمل الأرض وتحدث منه الموجودات بالتكاثف والتخلخل فإن تخلخل الهواء ينتج النار وما يتصل بها من الظواهر الجوية النارية كالكواكب والنجوم وتكاثف الهواء ينتج الرياح فالسحاب فالمطر وتكاثف الماء ينتج التراب الطمي في الأنهار فالصخر ويختلف المؤرخون في تفسير ما يقصده بالمبدأ الأول (الهواء) فذهب بعضهم إلى أنه يقصد (الله) حيث يلصق صفة الإلوهية بالهواء كما فعل الشهر ستاني مثلا
ج‌- هيرافليطس (540-475) / قال أيضا بالمبدأ الأول ولكنه يراه في النار التي تصدر عنها كل الأشياء وليست هي النار التي ندركها بالحواس بل هي نار إلهية لطيفة للغاية أثيرية ويرى أنها ( نسمة حارة حية عاقلة أزلية أبدية هي حياة العالم وقانونه إذا وهنت صارت نارا محسوسة وإذا تكاثف بعض النار صار بحرا ويتكاثف بعض البحر فيصير أرضا فإذا ما ارتفعت عن الأرض والبحر الأبخرة وتراكمت سحبا التهبت و انقدحت منها البروق وعادت نارا أما إذا انطفأت السحب فإنها تكون العاصفة وتعود النار إلى البحر وهكذا دواليك

ب)المدرسة الفيثاغورية / ينبغي قبل الحديث عنها أن نلقي الضوء على إحدى النحل الدينية التي أثرت فيها وهي (الأورفيه – نسبة إلى أورفيوس ) والتي تتكون من أفكار دينية قريبة الشبه بالنحل الشرقية وخاصة الزرادشتية والمذاهب الهندية فالإنسان عندها مكون من عنصرين متعارضين ويحتوي على مبدأين : مبدأ الشر ومبدأ الخير ، والجسد بمثابة القبر للنفس .
وكان لـل (أورفيه ) تأثيرها القوي في فيثاغورث بل وفي سقراط وأفلاطون حيث يمكن القول أنها وجهت الفلسفة وجهتها العقلية الروحية على أيديهم .
أنتقل فيثاغورث (572- 497) الذي ولد في ساموس لأبوين إغريقيين بعد أن ناهز الأربعين إلى إيطاليا الجنوبية وأنشأ فرقة دينية من المهاجرين اليونان والأجانب تشبه الأورفيه ويلتزم أعضاؤها بالآداب الفاضلة وبطريقة خاصة في المأكل والملبس والصلاة والرياضة البدنية أما عن مؤسسها فيثاغورث فقد وصف بالفضل والعلم وقد تعلم على يديه انكسماندر كما ذاع عنه أنه يفعل المعجزات وتصدر عنه الكرامات الخارقة للطبيعة وأورد الشهر ستاني ترجمة فيثاغورث على نحو يقترب من هذه الصبغة الدينية فقال عنه : (من أهل سامبا ) وكان زمن سليمان النبي ابن داود عليهما السلام وقد أخذ الحكمة من معدن النبوة وهو الحكيم الفاضل ذو الرأي المتين والعقل الرصين ولهذه المدرسة أثرها في تاريخ الفكر الفلسفي حيث ظل التفسير الرياضي للكون سائدا حتى زمن أفلاطون والسبب في ذلك أن الرياضيات علوم يقينية مؤسسة على البديهيات الفطرية في العقل مثل بديهية المساواة وبديهية الكبر والصغر أي أن الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية وأن الكل أعظم من الجزء وقد استمر هذا التيار الذي يعتقد في فطرية البديهيات الرياضية منذ زمن أفلاطون حتى (ديكارت، وكانت، ورسل ) في الوقت الحاضر

ج/ المدرسة الإيلية : تنسب هذه المدرسة إلى إيليا وهي مدينة بناها (الايونيون) الهاربون من وجه الفرس إلى الشاطئ الغربي في ايطاليا الجنوبية حوالي سنة 540 ق.م ، ومع أن هذه المدرسة تنسب أيضا إلى بارمنيدس باعتباره الممثل الحقيقي لها إلا أنه ينبغي البدء بآراء أستاذه اكسانوفان الذي سافر إلى إيليا قبل سفر بارمنيدس إليها وأعلن أصل المذهب الذي يتمثل في أن العالم موجود واحد لا بالمعنى الذي يقصده الملطيون حين فرضوا موجودا واحدا (ماء أو هواء أونارا )
ثم استخرجوا منه كثرة الأشياء بالحركة بل بمعنى أن العالم طبيعته واحدة ساكنة
فأما اكسانوفان (570- 480 ق.م ) فقد درس أراء المدرستين الملطية والفيثاغورية وانتقدهما بطريقة تعبر عن إيمانه بحرية الفكر ونزوعه إلى النقد المر وعرف بسخريته اللاذعة من عقيدة التناسخ عند الفيثاغورثيين وقال ساخرا ذات يوم من تكريم الناس للمصارعين : (إن حكمتنا خير وابقي من قوة الرجال والخيل )
أما بارمنيدس (540ق م.) الذي يقال إنه تلميذ أكسانوفان فإن قال : إن الماء الهواء والعديد لا تصلح أن تكون أصلا للأشياء وقال : إنها متغايرة في الظاهر ولكنها في الحقيقة تتفق في صفة الوجود الذي هو الحقيقة الثابتة ، وراء التغيرات وهو الوجود الدائم الذي هو الحقيقة الثابتة وراء التغيرات وهو الوجود الدائم الذي هو وحده الموجود أما اللاوجود فلا يدرك لأنه عدم مستحيل لا يتحقق أبدا
أما زينون (487 - ؟ ق . م ) تلميذ بارمنيدس فإنه تصدى للفيثاغوريين وغيرهم ممن سخروا من القول بالوحدة المطلقة والسكون المطلق وقام بوضع علم الجدل وكانت حججه المشهورة ( كحجة أخيل – بطل أسطوري عند اليونان يتميز بالسرعة والقوة – والسلفحاة ) التي تبغي بيان استحالة الحركة واستحالة الكثرة – كانت تلك الحجج داعية لتحليل الامتداد والزمان والمكان والعدد والحركة والانهائية عند أفلاطون وبالأخص عند أرسطو فيما بعد

أبوخالد320 12-17-2012 05:27 PM

د) الطبيعيون المتأخرون : ثم عاد الاتجاه الفلسفي بعدهم إلى العلم الطبيعي أو معالجة المسألة الطبيعية على يد أنباذوقليس وأنكساغوراس وديمقريطس متأثرين بالمدرستين الإيلية والفيثاغورثية فاشتركوا في القول بأن أصل الأشياء كثرة حقيقية وإنكار التحول من مادة إلى أخرى وأن الأشياء تأليفات مختلفة من أصول ثابتة ويعده البعض أيضا المؤسس الحقيقي لعلم الكيمياء ذلك أنه تكلم عن ارتباط عناصر العالم المادي فيما بينها بنسب رياضية محددة وهو يرى أن الأصول الأولى للأشياء هي العناصر الأربعة الماء والنار والتراب والهواء وهي في اجتماعها لا يتحول أحدها إلى الأخر ولكنه مجرد اختلاط من أجزاء صغيرة تحتفظ بقوامها أو طبائعها المميزة دون مزج أو اندماج يفقدها خواصها المميزة وباجتماع هذه العناصر وافتراقها بناء على مبدأي المحبة والكراهية تتكون الأشياء المختلفة ولكنه لا يحدد طبيعة كل من المحبة والكراهية
وأما ديموقريطس (470 --- 361 ق . م ) فقد تطورت النظرية الذرية على يديه وذهب إلى أن الكون يتألف من عدد لا يتناهى من الذرات المتشابهة والمتجانسة في طبيعتها والمختلفة من حيث الحجم والشكل فقط والتي تتحرك بذاتها في خلاء لانهائي فتتقابل على أنحاء لا تحصى وتتشابك في مجاميع مختلطة هي الأجسام المرئية ولا يرجع الاختلاف في صفات الأشياء إلا إلى اختلاف تلاقي الذرات وتألفها أو اختلاف الجواهر المكونة لها شكلا ومقدارا ووزنا ولعل هذا الرجل الثالث من رجال هذه المدرسة يتلافى هذه الصعوبات وهو : انكساجوراس (499- 429 ق. م )ومذهبه ذري أيضا ولكن الذرات التي يقول بها جواهر متنوعة في أنفسها وليست متجانسة في طبيعتها كما يرى ديموقريطس وهي تجتمع في كل جسم بمقادير متفاوتة فتحدد له نوعه بحسب الطبيعة الغالبة عليها وقد دعاه إلى ذلك فيما يبدو أمران أولهما أن الأشياء متباينة في الحقيقة على نحو معقد ولا يمكن تفسير اختلافها بمادة واحدة أو بضع مواد والأمر الثاني اضطراره لتفسير تحولها بعضها إلى بعض مع الاحتفاظ بتباينها وهو يختلف عن ديمقريطس من ناحية أخرى إذ يقول بالعقل علة لحركة هذه الذرات وللنظام الذي يبدو فيما يتكون منها ويصف هذا العقل بأنه بسيط مفارق للطبائع كلها عليم بكل شئ قدير على كل شئ محرك لما عداه ولكن قبل أن يظهر هؤلاء الأخيرين تعرض هذا الفكر لمحنة السفسطة والسوفسطائيين الذين تشككوا في العقل وفي أصول الأخلاق واتجروا في التعليم والتدريب على الجدل ونادوا وعلى رأسهم بروتاجوراس بأن الإنسان الفرد هو مقياس كل شئ فكانت أرائهم ومواقفهم نكسة للفلسفة ومناهج العقل الأمر الذي أدى برد الفعل إلى ظهور سقراط
سقراط : جاء سقراط (470- 399 ق . م ) خصما عنيدا للسوفسطا ئيين وأخذ على عاتقه الرد على أباطيلهم بكل الوسائل بما في ذلك مجادلة الناس في الأسواق وعلى قارعة الطريق وقد عرضته مواقفه للمحاكمة وصدر الحكم بإعدامه فتقبل هذا الحكم بصدر رحب وهدوء عجيب كأنما قد أحس باكتمال رسالته في الدفاع عن الحقيقة التي كاد يقضي عليها عبث السوفسطائيين وكان هم سقراط أن يوقظ العقول ويوجهها للبحث عن الحقيقة وعدم الاستسلام للتقليد والكسل العقلي ويؤكد أن لكل شئ حقيقة يمكن كشفها بالعقل وقضى حياته يعلم أبناء أثينا وخاصة شبابهم كيفية البحث عن حقائق الأشياء وهكذا نجد أن سقراط أخذ على عاتقه هدم حركة السفسطة فابتكر بذلك الفلسفة الروحية الإنسانية القائمة على التساؤل والبحث العقلي المنظم فاستحق ثناء أرسطو فيما بعد لكونه أول من طلب الحد الكلي أي التعريف طلبا مطردا وتوصل إليه بالاستقراء وإنما يقوم العلم على هاتين الدعامتين يكتسب الحد بالاستقراء ويركب القياس بالحد فالفضل يرجع إليه في هذين الأمرين ولم يحفل سقراط في فلسفته بالطبيعيات والرياضيات لأن اهتمامه انحصر في النظر في الإنسان ولذا اشتهر عنه أنه أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض .

أفلاطون (427- 347 ق . م ) ولد وتثقف في أثينا وأعجب بسقراط أستاذه ولزمه وحزن عليه عندما أعدم فغادر أثينا وأخذ ينظر نظرة جديدة إلى السياسة والديمقراطية التي كان يعدها مسؤولية عن محاكمة أستاذه والحكم عليه وأمن بأن الحكومة العادلة لا تقوم بلا تمهيد سابق لها في التربية والتعليم فقضى حياته يفكر في السياسة ويمهد لها بالفلسفة وقد استخدم منهج الجدل بمرحلتيه الصاعدة والنازلة وهو عبارة عن المنهج الذي به يرتفع العقل من المحسوس إلى المعقول أي من العلم بالمحسوسات المتغيرة إلى العلم بالمبادئ الأولى والحقائق الثابتة وهو ما سماه بعالم (المثل) والذي يصل إليه العقل بعد إدراك العلوم الجزئية والمحسسوسات المتغيرة وسنكتفي بعرض فكرة واحدة – ولكنها سياسية – من فلسفة أفلاطون محيلين على مؤلفاته التي ترجمت كثيرا منها إلى العربية لكي يلم بنظرياته في الميتافيزيقيا والطبيعة والإنسان وهذه الفكرة هي :
فكرة المثل : يرى أن الاقتصاد في المعرفة على شهادة الحواس يؤدي إلى نتائج غير صحيحة ومن ثم فإنه ينبغي على النفس أن ترتقي من سجن جهلها إلى العالم العقلي الأعلى عالم المثل ويضرب على ذلك مثلا أسطورة الكهف التي يقول فيها : تصور طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي مستطيل يدخله النور من باب في طوله وقد سجن فيه أولئك الأقوام منذ نعومة أظافرهم والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم فاضطرتهم إلى الجمود والنظر إلى الأمام فقط لحيلولة الأغلال دون التفاهم ثم تصور أن وراءهم نارا ملتهبة في موضع أعلى من موقفهم وأن بينهم وبينها جدارا منخفضا وتصور أن أناسا يمشون وراء الجدار حاملين تماثيل بشرية وحيوانية فهؤلاء السجناء لا يرون شيئا سوى الظلال التي أحدثتها اللهيب المشتعل وراءهم أو ليست معرفتهم بما يمر أمامهم من الأشياء محدودة بحسب ما يرونه ؟
لنفرض أن أحدهم حلت أغلاله ونهض واقفا ووجد أن عينيه تتألمان لأن النور بهرمها فعجزتا عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها فيما سلف ولكنه بدأ يرى شيئا غير الظلال فهو الأن أدنى إلى الحقيقة منه قبلا لأنه اتجه نحو ما هو أكثر يقينية ووضوحا وبتطبيق هذا المثال الخيالي بأجمعه على حالتنا السالفة مفسرين السجن بمحدودية العالم المحسوس واللهب المذكور بنور الشمس الساطع فإذا استعنا بمنهجه الجدلي السالف الذكر لتفسير نظريته في المعرفة التي ترتكز على نظرية المثل لتبين لنا القول بــ المثل المفارقة الموجودة وجودا عينيا في عالم الثبات ضرورة حتمية تفرضها المقارنة بين الماهيات والمحسوسات وبيان ذلك أن النفس أثناء مكابدتها للتجربة الحسية تتوصل إلى حقائق ثلاث :
1) لابد من استمرارنا في التجربة من مبدأ ثابت والمحسوسات غير ثابتة إذ تتكون وتفسد
2) أن الفرق بعيد المحسوسات وماهيتها
3) أن الماهيات معقولات صرفة حاصلة في العقل من موجودات ضرورية لا من المحسوسات وبذلك تؤمن النفس بعالم معقول هو مثال العالم المحسوس وأهله
وهكذا نرى أن نظرية المثل عند أفلاطون تعبر عن الصورة الأ ولى للمذهب العقلي في المعرفة فإن المعرفة العقلية عنده أو كما يسميها المعرفة بالصور سابقة على التجربة الحسية لأنها تتم بواسطة تذكر الحياة السابقة للنفس قبل اختلاطها بالبدن وتعلقها بالحواس ونظرية المثل تتضمن القول بوجود النفس قبل اتصالها بالبدن لأن القوة الروحية هي التي تعقل المثل أو بالأحرى تتذكرها وإذن فالإنسان نفس وقد خصص أفلاطون محاورة فيدون للتحدث عن النفس لإحساسه بخطورتها ووجوب بحثها مقدما عدة أدلة على خلودها

أرسطو (384- 322 ق .م) حياته ومؤلفاته :
كان أبوه طبيبا (باسطاجيرا) إحدى مدن شمال اليونان وقضى عشرين عاما بأكاديمية أفلاطون ولما توفي أفلاطون وأصبح (سبويسبس) رئيسا للأكاديمية غادر أرسطو أثينيا وذهب في بداية الأمر إلى شاطئ أسيا الصغرى وحوالي 342 ق.م. ومجمل ما وصلنا عن أرسطو عبارة عن محاضرات أو مذكرات أعدت لمحاضرات والمحاضر مايتفك يعود إلى مادته مرة بعد مرة ويضيف إلى ما فيها أفكارا جديدة وقد تتضمن مذكراته في صورتها النهائية أجزاء كتبت على فترات جد متفاوتة فلا تجئ أجزاؤها موصولة دائما في وحدة متسقة ويمكن القول بأنها تشمل أقساما خمسة هي :
1- الكتب المنطقية : أهمها المقولات , العبارات أو القضية , التحليلات الأولى أو القياس , التحليلات الثانية أو البرهان , والجدل والاغاليط وهو أول من وضع للمنطق علما خاصا وحصر مسائلة ورتبها على النحو الذي ساد القرون التالية بعده
2- الكتب الطبيعية / أهمها السماع الطبيعي أو سمع الكيان ( في العلم الطبيعي )وسمي كذلك للدلالة على أن من تدوين التلاميذ استمعوه عن أرسطو وكتاب النفس
3- كتاب ما بعد الطبيعة (ميتافيزيقيا ) وليس هذا الاسم من وضع أرسطو بل من وضع اندرونيقوس للدلالة على مكان هذا الكتاب في المجموعة أي أنه بعد الكتب الطبيعية وكان أرسطو قد سمى موضوعه بالعلم الإلهي وبالفلسفة الأولى والكتاب معروف عند الإسلاميين بهذه الأسماء الثلاثة وأيضا بكتاب الحروف لأن مقالاته موقوفة بحروف الهجاء اليونانية
4- الكتب الخلقية والسياسية : أهمها كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس أي أنه مهدي من أرسطو إلى ابنه وكتاب السياسة
5- الكتب الفنية : الخطابة , الشعر
جوانب من فلسفته : أولا/في العلم الطبيعي : موضوع العلم الطبيعي هو الوجود الطبيعي المرتبط بالمادة في الحقيقة وفي الذهن فلا يتصور الإنسان مثلا إلا في لحم وعظم وهو المتحرك حركة محسوسة وقد شغل أرسطو مثل الطبيعيين المتأخرين بظاهرة الحركة وقد تناول في حديثه عنها
• الحركة والتغير / والحركة أخص من التغير فهو يشمل الانتقال من طرف إلى طرف ضده دفعة واحدة وهذا الانتقال على قسمين فمن اللاوجود إلى الوجود يسمى كونا وبالعكس يسمى فسادا
• الهيولي والصورة : ولتفسير التغيرات التي تحدث في الأجسام الطبيعية يجب القول بالمبادئ الثلاثة لها فلا بد من افتراض (الأول) الهيولي أو المادة الأولى وهي الموضوع الذي يتم فيه التغير (والثاني) وكون هذا الموضوع غير معين في نفسه ويحتاج إلى التعين (والثالث) ما يعين الموضوع وهو الصورة






ثانيا / في الميتافيزيقيا أو الإلهيات / الواقع أن السؤال عن الموجد الأول لايجد إجابة شافية في مذهب المعلم الأول وتلك نقطة ضعف في المذهب فقد رفض أرسطو أن يتابع أفلاطون في القول بأن العالم يحتاج إلى علة فاعلة أي إلى صانع ينظم المادة ويطبع فيها الصور ولم يقبل هذه الفكرة وقد استأثر باهتمامه في هذا الصدد ظاهرة واحدة هي التي كانت في نظرة تفتقر إلى علة اسمي من الطبيعة وهي ظاهرة الحركة فحاول تفسيرها وهنا نجد إجابة لا بأس بها عن السؤال الأخير الخاص بالحركة مصحوبة بمحاولة غير مقنعة تماما للإجابة عن المعضلة الأولى الخاصة بمصدر الصور
(أ)يقرر أرسطو أن للطبيعة محركا أول وهو يعتقد أن حركة الطبيعة بفعل هذا المحرك الأول كافية لتفسير ظواهرها وكل تغير يحدث فيها وذلك لأن من مقتضى هذه الحركة في نظره دوران الشمس حول الأرض وهو علة تعاقب الليل والنهار ومن مقتضاها أيضا حركة الشمس السنوية على فلك البروج وتلك علة تعاقب الفصول بحسب اقتراب الشمس من الأرض وابتعادها عنها فيختلف تولد الحركة والضوء على فصول السنة في مختلف مناطق الأرض فتتحول العناصر بعضها إلى بعض وتتكون الأحياء وتنمو وتذبل أي تظهر الصور وتختفي ثم تعود فتظهر وتختفي وهكذا
ب) إذا كان أرسطو يقول بــ المحرك الأول فإنه يقدم دليلا لإثبات ذلك خلاصته: إن كل متحرك فهو متحرك بشئ أخر (وحتى الكائن الحي الذي نقول عنه تساهلا إن يتحرك حركة ذاتية يبين النظر الفاحص أن الجانب المحرك فيه غير المتحرك ) ومهما تعددت المحركات والمتحركات فهي متناهية العدد بالضرورة وإلا بقيت الحركة الأخيرة بغير علة فتصل إلى محرك أول هو علة حركة العالم في مجموعة وهو المحرك الذي لا يتحرك ولا أجزاء له وهو فعل خالص ليس فيه شئ بالقوة وبعد فقد ترك أرسطو أثرا كبيرا فيمن بعده إذ شهدت القرون الأخيرة من العصر القديم شراحا عديد ون لــ أرسطو من أبناء منطقة البحر الأبيض المتوسط من أشهرهم الاسكندر الأفروديسي وثامسطبوس وفرفوريوس الصوري
إن الفلسفة اليونانية حلقة مهمة جدا في تسلسل التراث الفلسفي الإنساني وقد أعطى لها إسلافنا العرب أهمية بالغة وربما مبالغة فيها أحيانا وينبغي تناول دراستها بروح نقدية يقظة وموضوعية

أبوخالد320 12-17-2012 05:28 PM

الفصل الثاني/ الفكر الفلسفي في العصر الوسيط : أولا / في الشرق
لعله من الخير قبل أن نبدأ عرضنا السريع للمعالم البارزة في تاريخ هذا الفكر أن نقدم عدة ملاحظات :
أولا / إنا لا نرى موجبا للإفاضة فيما كان يدور في القرن الماضي وأوائل القرن الحالي من خلاف حول وجود الفلسفة الإسلامية أو عدم وجودها أو مدى أصالتها أو تبعيتها فقد كاد هذا الخلاف الذي سبق أن أشرنا إلى صورة منه حول الفلسفة الشرقية القديمة
ومن تلك المبررات والأسس المتهافتة :
1) أسطورة التفرقة الجنسية الآرية والسامية التي نادي (رينان ) وتابعه آخرون من أمثال جوتييه وبرييه وقد تخلى عنها الفكر الغربي لضعف إسنادها العلمي
2) أن العرب أو المسلمين مازادوا على أن قلدوا المشائية اليونانية أو شوهوها بالتفسير الخاطئ أو الفهم الردئ فالواقع الذي أخذ يعترف به الكثيرون من الغربيين والأوربيين أنفسهم أنه مدينون كثيرا في فهم أرسطو لشراحة العرب كـــ ابن رشد وغيره
3) التعصب الديني ضد الإسلام كدين وضد كتابه المنزل واتهامهما بأنها يصادران التفكير العقلي في حين أنهما يوجبانه فريضة على المؤمن وعلى من يريد الدخول في الإسلام ويكفي هنا أن تشير إلى تناقض أصحاب هذه التهم فــ جوتييه مثلا الذي يقول عن الإسلام : إنه لا يتفق والتفكير الحر يعود في مقام أخر و يعترف بتحرر المفكرين المسلمين بينما خضع المفكرون المسيحيون للعقائد الكنسية إذ يقول : أما الإسلام فالفلسفة السكولاستيه الفلسفة المدرسية وهي نشأت أساسا في العصور الوسطى في أوروبا للتقريب بين العقائد الكنسية والفلسفة تنجو من هذه العبودية للكلام التي تدمغ السكولاستية المسيحية فهي أي في الإسلام بعيدة عن أن تكون من أي وجه خاضعة للكلام فهل يصبح بعد هذا أن تستمع له أو لكلام زميله كوزان عندما يدعي قائلا :
أما أوروبا المسيحية فهي --- لا سواها مهد الحرية . إن الغبار قد إنجاب عن وجه الفلسفة الإسلامية وأصبحت أصالتها المتمثلة في :
• الأساس القرآني الذي قامت عليه كما تعترف أحدث البحوث التي صدرت عنها في الغرب
• وفي الطبيعة المشكلات التي شغلت المفكرين المسلمين دون سواهم
• وفي المدارس التي أنشأتها . وفي النتائج التي أنجزتها لقد أصبحت هذه الأصالة موضع التسليم تقريبا
ثانيا / إن الخلاف حول تسمية هذه الفلسفة ( عربية أم إسلامية ) قد تراجع أيضا ليصبح هامشيا في الوقت الحاضر والحق الذي يحسم هذه التسمية ليس هو الاصطلاح الذي اختاره أهلها فحسب وإنما الحقيقة المتمثلة في :
1- أن من كتبوها كانوا من العرب وغيرهم كما سيثبت من استعراضنا لتاريخها الوسيط والحديث
2- إن أكثر عناصرها تعود إلى الإسلام وثقافته
3- أن من شارك فيها من غير المسلمين كان ربيبا للثقافة الإسلامية مشاركا في بناء الحضارة الإسلامية

ثالثا / ليس صحيحا ما يقال إن الفكر الفلسفي الإسلامي قد توقف أو مات بموت ابن رشد أو أنه قد مال تماما إلى التقليد والجمود والعقم بعد سقوط بغداد

رابعا/ إن المجال الذي تمتد إليه الفلسفة الإسلامية بمعناها الحقيقي الشامل لا ينحصر في التيار المشائي الذي يقصد في العادة بهذه التسمية بل إن الواقعة الفكرية الإسلامية تشمل إلى جانب هذا التيار : علم الكلام وعلم أصول الفقه والتصرف وربما ازدادت اتساعا لتشمل طرفا من البحوث المنهجية في مجال العلم والنظريات النقدية في مجال الفن

التيار الفلسفي التقليدي لدى بعض المفكرين المسلمين : ذهب المؤلف إلى أنه يرفض المبالغة في هذا الجانب من خلال :
• سلب هذا التيار كل أصالة
• الذهاب إلى أن هذا التيار إنما كان مجرد خضوع للون من الغزو الفكري
• تعميم القول أن هذا التيار قد كان في جميع مراحله مؤامرة مدروسة ومخططا لها لإفساد الفكر الإسلامي وتخريبه من الداخل

يرى المؤلف أنه من الخير لدارس الفلسفة لدى المسلمين أن يتحفظ كثيرا قبل أن يتقبل مثل هذه الأحكام وأنه من الخير أيضا أن يضع في حسابه الاعتبارات التالية عند النظر في هذه الأحكام :
أ‌) أن من هؤلاء الفلاسفة المسلمين من لم ينفصل عن التيار العام للثقافة الإسلامية فدرسها بعمق في جانبها التشريعي غالبا والتزم بأحكامها واتجه مخلصا في ظنه للتوفيق بين الفلسفة وبين دينه
ب‌) ويرى المؤلف اعتبارا أخر جدير بالملاحظة وهو : أن هؤلاء الفلاسفة يمثلون إلى حد كبير مرونة العقل الإسلامي وقدرته على استيعاب الثقافات الأخرى وتفتحه على كل جديد
ت‌) وكذلك اعتبار أخر جدير بالملاحظة في نظر المؤلف وهو قوله : إن هؤلاء الفلاسفة كانوا من قادة العلم التجريبي في الحضارة الإسلامية وشاركوا صياغة المنهج الاستقرائي الذي استخدمه العلماء المسلمون عمليا حتى من كان منهم صوريا أتباع المنطق الصوري الذي وضعه أرسطو في فلسفته أو كتاباته المنطقية كما يلاحظ بعض الدارسين المحدثين حقا من أن بعض المتكلمين والصوفية كانت لهم مشاركات في الجهود العملية في ميدان الرياضيات والفلك والكيمياء وغيرها ومن أمثلة أولئك الكندي وابن سينا والطوسي وأمثالهم في تاريخ العلم
ث‌) واعتبار رابع جدير بالملاحظة أيضا فينظر المؤلف , وهو قوله : إذا كنا نقول إن هؤلاء الفلاسفة قد استندوا إلى المصادر الأجنبية في تفكيرهم مما حرمهم أحيانا من الفهم السديد لبعض العناصر في الثقافة الإسلامية وعزلهم أحيانا عن تيار الحياة الإسلامية فلا أظن أحدا ينكر أن الباقلا ني والغزالي كانوا أكثر ارتباطا بمجرى التاريخ في عصورهم وباهتمامات المسلمين الحقيقية من حولهم بالقياس إلى أمثال الكندي والفارابي وابن رشد
الكندي / أ / لمحة عن حياته :
هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن الأشعث والمهم في هذا النسب أن الكندي عربي الأصول وأن اثنين في عمود نسبه وهما الحارث الأكبر والحارث الأصغر كانا من ملوك العرب , أن الأشعث بن قيس كان من أنصار الإمام علي رضي الله عنه البارزين وأن أباه إسحاق بن الصباح قد ولى العمالة للعباسيين في الكوفة مرتين مرة سنة 159هـ - 775م ) في أيام المهدي استمرت نحو سبع سنوات وكانت نشأته في البصرة ثم أنتقل إلى بغداد حيث تأدب بعلوم زمانه ولم تعرف في بغداد شهرة ولا حال قبل أيام المأمون ثم اتصلت شهرته وحظوته في بلاط العباسيين بالمعتصم إذ كان يؤدب ابنه أحمد ويبدو أن الكندي لم ينل حظا وافرا من الدنيا ولا صفت حياته من الشوائب فضاق بالناس واعتزل الحياة العامة

ب‌- جوانب من فلسفته : يقترب الكندي من المعتزلة فهو فيلسوف ومتكلم معا ورغم تأثره بالأفلاطونية المحدثة إلى جانب المشائية فإن مشائيته ربما كانت أصفى ممن جاءوا بعده من الفلاسفة باستثناء ابن رشد ولعل الفضل في ذلك يرجع إلى اعتزاليته

بعض أفكاره الفلسفية التي تتصل بالمجال الديني : 1- الكندي والتوفيق بين الدين والفلسفة :

تتمثل الدوافع والأسس التي يقيم عليها الكندي توفيقه في أمور منها :
• غاية الفلسفة تلتقي تماما مع غاية الدين (حسب تعبير المؤلف) فالفلسفة تهدف إلى علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان لأن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق وتلك هي الغاية التي يعمل لها الدين الذي جاء به الرسل الصادقون عن الله عز و جل
• إذا كان منهج الفلسفة يقوم على العقد بينما يستند الدين الإسلامي إلى الوحي فإن جاء به الوحي – أي القرآن - يمكن في نظر الكندي ( أن يفهم بالمقاييس العقلية التي لا يدفعها إلا من حرم صورة العقل واتحد بصورة الجهل )
• الفلسفة لا تتناقض مع الدين (حسب تعبير المؤلف) فهي ليست بديلا منه يغني عنه كما قد يذهب إلى ذلك بعض الملحدين من أنصارها ولذا يؤلف الكندي الفيلسوف رسالة في تثبيت الرسل عليهم السلام فالفلسفة تصل بعد الجهد والكسب إلى بعض الحق وربما قصرت عن البعض الأخر أما النبوة وهي فعل إلهي في نفوس الأنبياء فإن علومها لدى من تأملها وأحسن فهمها تبدو موجزة بينة محيطة بالمطلوب قريبة المسلك إلى العقول والقلوب ويقدم الكندي أكثر من نموذج لما تضمنته آيات القرآن في أمر العقيدة مما يؤكد هذه القضية .
• مهما كان حظ الفلسفة من تحقيق الغاية التي تسعى إليها فلا ينبغي إهمالها أو معاداتها ( بحسب رؤية الكندي) فالحكمة ضالة المؤمن يطلبها ويفرح بها ويشكر أصحابها أيا كانوا فينبغي أن يعظم شكرنا للآتين بيسير الحق فضلا عمن أتى بكثير من الحق إذا أشركونا في فكرهم وسهلوا لنا المطالب الخفية بما أفادونا من المقدمات المسهلة لنا سبيل الحق
ويلجأ الكندي أيضا إلى فكرة تتردد كثيرا في مجال الدفاع عن الفلسفة / هي أنه من الضروري لمن يعارض دراسة الفلسفة أن يدرسها أولا فرفض الفلسفة هو نوع التفلسف .... وهذه لمحة عن فكرة تؤكد هذا المبدأ الذي أمن به هو وغيره من الفلاسفة المسلمين وهو مبدأ الاتفاق بين الشريعة والحكمة أو الدين والفلسفة .

2- الكندي والبرهنة على وجود الله تعالى ووحدانيته :
يعتمد الكندي في محاولته إثبات خالق العالم على فكرة التناهي أي أن العالم متناه من حيث الجسم والحركة والزمان أي أنه حادث فلا بد له محدث هو الله ويظهر في كلامه مؤثرات كلامية وفلسفيه ورياضية
لقد كان أرسطو وأكثر القدماء يسلمون بتناهي العالم من حيث الجرم أو الجسم ولكن الكندي لا يكتفي بذلك ويقدم دليلا يبين تناهيه من حيث الحركة أيضا ويعتمد على مقدمات رياضية لإثبات هذا الفرض .
ويضيف الكندي مخالفا أرسطو الذي كان يقول بقدم العالم أي عدم تناهيه من حيث الزمان والحركة إلى ذلك قوله بأن هذه الأمور الثلاثة متلازمة فالزمان زمان الجسم أي مدة وجوده لأنه ليس للزمان وجود مستقل والحركة هي حركة الجسم وليس لها وجود مستقل وكل حركة معناها عدد مدة الجسم فالحركة لا تكون إلا حالة في زمان والزمان بدوره مقياس حركة الجسم فلا يعني له إلا إذا وجدت الحركة ومتى تثبت حدوث واحد من هذه الأمور الثلاثة المتلازمة تثبت حدوث جميعها
أما في الوحدانية فيستخدم الكندي فكرة منطقية / وهي أنه عندما تتعدد أفراد النوع الواحد فلا بد أن تتفق في صفة أو صفات مشتركة ( هي الجنس) وتختلف في صفة أو صفات مميزة (هي الفصل) وبناء على ذلك فلو قلنا بوجود عدة آلهة للعالم أوجب أن تشترك هذه الآلهة جميعا في صفة الإلوهية الأساسية ( وهي القدرة على الخلق ) وأن يتميز كل منها عن الأخر بصفات أخرى أو فروق فردية



ثانيا : فلسفة العصور الوسطى في الغرب (الفلسفة المدرسية)

أبوخالد320 12-17-2012 05:28 PM

ثانيا : فلسفة العصور الوسطى في الغرب (الفلسفة المدرسية)
يطلق هذا الوصف (المدرسية) على الفلسفة الغربية الوسيطة المصبوغة بالصبغة المسيحية والخاضعة غالبا لنفوذ رجال الدين وهو وصف لا يرتضيه بعض كبار المتخصصين في دراسة تلك الفلسفة لما يرتبط به في أذهان البعض من تهم الجمود والتعصب والتسلط على حركة الفكر ولئن كانت الفلسفة في العصر الوسيط في الغرب أقل ازدهارا منها في عصريها السابق واللاحق فإن ذلك لا يقلل قط من أهميتها التاريخية وتفردها بمجموعة من المشكلات الخاصة ومن تأثيرها في الفكر الحديث
ففي أخر العصر القديم نشأ فكر مسيحي ذو طابع فلسفي وخاصة في الإسكندرية وغيرها من مواطن التقاء الثقافيتين المذكورتين ومن ممثليه المفكران (كليمان 150- 250 م) وهو من أصل يوناني و( أوريجان 185 – 254م) المصري الأصل وكلاهما عرف الأفلاطونية المحدثة وحاول توفيقها مع عقيدته الجديدة . وقد شهدت الفترة الأولى من الفلسفة المسيحية الوسيطة بين القرنيين السابع والحادي عشر الميلاديين محاولات متقطعة من العمل العقلي ينزع إلى التحرر من الطابع السابق ويميل إلى الاهتمام بأرسطو الذي ينظر إليه السابقون باعتباره ملحدا ومضادا للعقيدة ولكن البداية الحقيقية لفكر مدرسي ناضج تبدأ في القرن الثاني عشر الميلادي ويمثلها القديس (أنسلم 1032- 1109) صاحب الدليل الانطيولوجي المشهور الذي أثر على ديكارت فيما بعد (أنطولوجيا : علم الوجود) وأبيلارد (1079- 1142م) صاحب الروح التأملية العميقة
وقد بدأ الفكر الوسيط يتعرف تعرفا حقيقا على أرسطو وعلى المفكرين المسلمين حين اتصل هذا الفكر بالثقافة العربية المزدهرة في الأندلس وأنشأ رئيس أساقفة طليطلة لأول مرة ديوانا للترجمة (1129-1151م) نقلت بواسطته من العربية إلى اللاتينية معظم كتب أرسطو الذي عاد إليهم كما يقال في عباءة عربية ثم تزايد الإقبال على إنتاج أرسطو وزاحم الأفلاطونية وزحزحها عن مكانتها عند القوم وتأكد ذلك حين نقلت الشروح الإسلامية على أرسطو وخاصة شروح ابن رشد ومؤلفاته الدينية ك فصل المقال و تهافت التهافت ومناهج الأدلة وذلك في القرن التالي الذي يعد هو العصر الذهبي للفكر الغربي الوسيط


البرت الكبير (1206-1280م):
وقد كان من القسس الدومينيكان , أعلن قديسا في القرن الحالي سنة 1931م درس في إيطاليا وفرنسا ومات في باريس وتتلمذ عليه توماس الأكويني وأهم ما يميزه فكريا :
1-أنه تزعم هو وتلميذه الأكويني الحركة التي أقامت في الفكر المسيحي أرسططاليسية جديدة تختلف عن أباء الكنيسة السابقتين الذين كانوا أكثر ميلا إلى أفلاطون والأفلاطونية الحديثة كما يمثلهم القديس أوغسطين
2-أنه برغم ذلك لم يتخلص تماما من الآثار الغنوصية للأفلاطونية المحدثة وقد عرف عنه ميله إلى أراء ديونيسيس وأبرقلس من رجالها وكما ورث الاكويني عنه نزعته العقلية الأرسطية فقد ورث آخرون من تلاميذه عنه النزعة الروحية الأفلاطونية
3-أنه مع اشتغاله باللاهوت والفلسفة النظرية كان مجربا لا يكل (من أصحاب العلم التجريبي العملي وخاصة في ميدان التشريح وعلم الحيوان


روجربيكون (حوالي 1214- 1292م) ولد في انجلترا وقضى جانبا من حياته في أكسفورد وجانبا أخر في باريس خلال تلك الفترة الخصبة من حياة الفكر الغربي التي أخذ فيها يتمثل أثار العلم والفلسفة العربيين إلى جانب الأعمال الإغريقية في هذين المجالين ومن أهم ما تثيره شخصيته الفكرية أمران هي : الأول / أنه كان محافظا ومتمسكا بالتقاليد ولم يكن أقل من معاصريه اللاهوتيين مراعاة لأوامر الدين واعترافا بقيمة الحقائق الدينية غير أنه في الوقت نفسه لم يكن يرى في العلم الجديد مجرد مادة جديدة للمعرفة بل منهجا جديدا للبحث لابد أن يحدث تحولا أساسيا في طريقة تناول العلم والمعرفة .
الثاني : أنه كان إحدى همزات الوصل بين الحضارة الإسلامية والمدنية الحديثة كما يقرر محمد إقبال معتمدا على قول المؤرخ الغربي بريفولت (إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلم العربي )


الفصل الثالث – الفلسفة الحديثة

أولا : في الشرق – الفلسفة الإسلامية الحديثة
ابن خلدون / هو ولي الدين عبدا لرحمن بن محمد بن خلدون ولد بتونس وحصل على علومه فيها ثم درس الفلسفة
(ومن الأمور الجديرة بالإشارة في فكر ابن خلدون ) :

أ-الفلسفة وفلسفة التاريخ : يقول ديبور : (لم يقنع ابن خلدون بالفلسفة المتوارثة كما وصلت إلى علمه وكان رأيه في العالم لا ينصب في قوالبها الثابتة المقررة ويبين ذلك بقوله : يزعم الفلاسفة أنهم يعرفون كل شي أما ابن خلدون فكان يرى أن العالم أوسع من أن يستطيع عقلنا الإحاطة به وأنه يوجد من الكائنات والأشياء أكبر بما لانهاية له مما نستطيع أن نعمل (ويخلق ما لا تعلمون )
ولذا فقد انبرى فيلسوفنا والكلام مازال لديبور ( يزعم أنه يؤسس فرعا فلسفيا جديدا لم يخطر قط على قلب أرسطو والفلسفة كما يقول الفلاسفة هي علم الموجود من حيث صدوره من علله وهو يقولون في هذا الصدد أقوالا لا يمكن البرهان عليها ومعرفتنا بهذا العالم الذي نعيش فيه أوثق من معرفتنا بما يقولون

ب-ابن خلدون وعلم الاجتماع : استعرض ابن خلدون جهود المؤرخين قبله كما أشار في المقدمة وانتهى إلى وجوب كتابة التاريخ بمنهج جديد يقوم على الشرح والتحليل وتعليل الحوادث لا مجرد السرد كما يتوهم البعض : إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق
وإذ يصل ابن خلدون في تحليله إلى هذا الحد فإن يصرح بوجوب قيام هذا العلم ويكاد يعطيه اسمه الذي عرف به وإن كان يسميه أحيانا علم العمران ومما قاله (وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه من الأحوال لذات , وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا
على أن ابن خلدون لم يكتف بالدعوى النظرية إلى هذا العلم بل وتوصل فيه إلى بعض النتائج والأفكار وإن كان أكثرها يقول الأستاذ الخشاب
حدد ابن خلدون موضوع العلم بأنه دراسة علم الاجتماع الإنساني وظواهره وقسم دراساته إلى قسمين واضحين :
القسم الأول : بحوث تتعلق ببنية المجتمع أو المورفولوجيا الاجتماعية وهي البحوث التي تتناول دراسة الظواهر المتصلة بالبدو والحضر وأصول المدنيات وتوزيع السكان وظواهر الهجرة وتخطيط المدن في الفصلين الرابع والأول من مقدمته
والقسم الثاني : هو دراسة النظم العمرانية فدرس الظواهر السياسية في الفصل الثالث والظواهر الاقتصادية في الفصل الخامس والظواهر التربوية واللغوية في الفصل السادس ودراساته هذه تدلنا على أنه استوعب معظم فروع علم الاجتماع وعالج أهم أبوابه




ثانيا : الفلسفة الحديثة في الغرب :
بينما غلبت الروح المدرسية التقليدية المترددة بين أفلاطون وأرسطو والخاضعة لهيمنة الكنيسة والمتعصبة للمنهج الصوري الذهني على الفكر الغربي في العصر الوسيط فإن الفترة التاريخية التي يطلق عليها عامة (الفترة الحديثة )
نظرة عميقة تختلف في جوانب عديدة عن نظرة الفترة الوسيطة ومن هذه الجوانب ثمة جانبان لهما الأهمية القصوى أعني بهما :
أ-تضاؤل سلطة الكنيسة ب- تزايد سلطة العلم
ويشرح الفيلسوف الانجليزي المعاصر (رسل) العبارة السابقة بقوله :
فقد أخذت الدول تحل باطراد محل الكنيسة باعتبارها السلطة الحكومية المهيمنة على الثقافة وكانت الحكومة في أول أمرها بين أيدي الملوك ثم بدأت الديموقراطيات أو الطغاة يحلون محل الملوك بيد أن معظم الحالات كان للدولة على الفلاسفة نفوذ أقل من النفوذ الذي كان للكنيسة في العصور الوسطى ولا ينبغي أن ينسينا عوامل ومظاهر هامة لطبيعة النهضة الفكرية في العصر الحديث سلبية كانت أو إيجابية من إحياء للآداب القديمة إغريقية ولاتينية ونمو الروح الإنسانية المعرضة عن الدين أو المعادية له وازدهار الفنون والصناعات وغلبة النزعة الفردية في مجالات الأدب والدين والسياسة والفكر جميعا .
ديكارت (1596- 1650م) ولد بفرنسا وتعلم في مدرسة للآباء اليسوعيين كانت من أشهر المدارس في أوروبا وأتم الدراسة بها حيث كانت الفلسفة تحتل مكانا فدرس كتب المنطق والطبيعيات والرياضيات وما بعد الطبيعة وانعكست أثار هذه الدراسة في ناحيتين مختلفتين فا عجب بوضوح الرياضيات ودقتها وفي الوقت نفسه أحس بالأثر السيئ الناجم عن اختلاف الفلاسفة فيما بينهم فانصرف عنها ولم يكن يخصص لها سوى (ساعات في العام ) وأخذ يعالج الدراسات الرياضية والطبيعية طوال تسع سنين ومع أن كثيرا من العلماء قد سبقوه إلى الأخذ بقوانين الهندسة التحليلية إلا أنه وجه الاختلاف بينهم أنهم كانوا يتبعون الطرائق الجزئية بينما كان ينظر هو إلى العلم نظرة كلية شاملة فرأي أن الهندسة والحساب يقومان على الترتيب والقياس وأن من الممكن وضع علم تكوين صيغة أبسط من صيغ الحساب وأكثر تجريدا من أشكال الهندسة فتنطبق على الأعداد والأشكال جميعا

وفي العلم الطبيعي : كان يذهب إلى رأي (جاليليو) بدوران الأرض ولكنه لما رأي أن المجمع المقدس قد أدانه لهذا القول , عدل عن نشر كتابه المؤلف في هذا الموضوع احتراما للكنيسة وأخيرا لخص فلسفته وعلمه الطبيعي في كتاب مدرسي نشر سنة 1633م باللاتينية وهو كتاب
مبادئ الفلسفة وأهداه للسور بون بغرض تدريسه وكأنه كان يريد أن يحل بذلك محل أرسطو ولكن معلميه السابقين لم يحييوه إلى رغبته تلك

1-غاية الفلسفة ومهمتها عند ديكارت :
إنه يعرف الفلسفة بأنها : دراسة الحكمة ثم يضيف أنه لا يقصد بالحكمة التحوط في تدبير الأمور فحسب بل يقصد بها المعرفة الكاملة بكل ما يستطيع المرء معرفته إما لتدبير حياته أو لحفظ صحته أو لاستكشاف الفنون جميعا وأن المعرفة التي يتوصل بها إلى تلك الغايات لابد أن تكون مستنبطة من العلل الأولى ويتضح من هذا التعريف أن غاية الفلسفة عنده تحقيق رفاهية البشر وسعادتهم وليست العلم لمجرد العلم كما هو الحال عند أرسطو فبينما كان هذا الأخير يذهب إلى أن العلم الحقيقي يجب أن يدنو من النظر
والفلسفة كلها بمثابة شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها العلم الطبيعي وأغصانها باقي العلوم وهي ثلاثة علوم كبرى الطب والميكانيكا والأخلاق
فالجزء الأول من الفلسفة هو مبادئ أو الميتافيزيقا التي من جملتها تفسير صفات الله وروحانية نفوسنا وجميع المعاني الواضحة المتميزة الموجودة فينا ويقصد بالمعاني الواضحة الأفكار السابقة في الذهن على التجربة التي يشترك التسليم بصحتها العقلاء في كل زمان ومكان ووجودها في العقل هو وجود بالقوة ودور التجربة هو إخراجها إلى الوجود الفعلي في مجال الوعي ويتفرع من الميتافيزيقا العلم الطبيعي الذي يدرس مشكلات العالم والإنسان بفروعه الرئيسية وهي الطب والميكانيكا والأخلاق و الأخلاق هي أخر مراتب الحكمة ويصفها بقوله :
أعني الأخلاق الأرفع والأكمل , معرفة عامة بالعلوم الأخرى فقد بلغت المرتبة الأخيرة من مراتب الحكمة

ب-المنهج الديكارتي :
يرى ديكارت أن العقل هو أداة عامة وزعت على جميع بني الإنسان توزيعا عادلا أو هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس ويشرح ذلك فيقول:
إن العقل هو خير الأشياء توزعا على الناس بالتساوي وليس براجح أن يخطئ الجميع في ذلك ، بل الراجح أن يشهد هذا بأن قوة الإصابة في الحكم وتمييز الحق من الباطل . ومن هذا تتضح أهمية المنهج ليقود العقول في طريق واحدة مستقيمة والمنهج الذي ينبغي لكل عاقل أن يسلكه يعتمد أساسا على :
• حدث المبادئ الأولية --- ثم استنباط القضايا الجديدة من المبادئ المسلمة


ج - قواعد المنهج : / لهذا المنهج قواعد أربعة أساسية نلخصها تقريبا من ألفاظ ديكارت نفسه :
أ-الأولى : قاعدة الوضوح العقلي : ألا أسلم بحقيقة أي شئ مادمت لا أعرف أنه حقيقة لكونه ظاهرا واضحا بينا أمام روحي ظهورا مانعا لكل شك فمقياس الحقيقة في نظره هو الوضوح العقلي الحاسم لكل غموض أو شك
ب-الثانية : قاعدة التحليل العقلي : أن أقسم كل مسألة صعبة إلى أجزاء أي العناصر البسيطة التي تتكون منها وهو ينبهنا إلى أن أي مشكلة فكرية هي بناء مركب من عناصر عدة بعضها معلوم وبعضها مجهول لنا والكشف عن المجهول يستوجب تحليل المشكلة إلى عناصرها المختلفة قدر الإمكان والتركيز على العناصر التي يعتمد عليها في حلها
ج-الثالثة : قاعدة التركيب العقلي : أنا أفكر بالترتيب والتدرج فأبتدئ بالنظر إلى أبسط الموضوعات وأسهلها ثم أسير إلى معرفة الموضوعات الأكثر تركيبا وأفرض نظاما في المواضع التي تبدو غير مرتبة في الطبيعة
د-الرابعة : قاعدة المراجعة والفحص الدقيق : أن أكمل إحصاء أجزاء الموضوع الذي أبحثه وأولفها تأليفات جامعة حتى أعرف يقينا أني لم أهمل شيئا أو أغفل حالة قد تؤثر على نتيجة البحث وهذه ناحية هامة لأن بعض الباحثين قد يغفل عنصرا من عناصر البحث أو يسرع في الربط بين العناصر المختلفة فيقع فريسة للخطأ
وأهمية القاعدة الأولى تتمثل في / الحرص على التحقيق العلمي – القائم على الحدث المباشر اليقيني – والمسبوق بلون من الشك المنهجي
وأهمية القاعدة الثانية تتمثل في / التحليل الذي يمهد لهذا الحدث أو المعرفة اليقينية ألحقه
وأهمية القاعدة الثالثة تتمثل في / التركيب الذي يعتمد على التدرج وافتراض النظام بين الأجزاء الواضحة أو الحدود بحيث يلزم كل منها عن الأخر كي تترابط المعرفة
وأهمية القاعدة الرابعة تتمثل في / تحقيق شمول البحث وتكمل المقصود بالقاعدة الثالثة
وهذه القواعد العقلية الأربع لابد لها من صفات خلقية لتؤتي أكلها تتمثل في الإخلاص للحق والتصميم على بلوغه والقناعة به والقصد بصفة عامة

أبوخالد320 12-17-2012 05:29 PM

القاعدة الأساسية التي بني عليها الفلسفي وهي (الكوجيتو الديكارتي : الشهير .

د-الكوجيتو الديكارتي : ربما كان الكوجيتو أو اليقين الأول الذي ينتقل فيه ديكارت من إثبات الذات الواعية إلى إثبات الحقائق الأخرى حول الله والعالم هو أشهر أفكار ديكارت وأكثرها تمثيلا لفلسفته وطريقته في تحقيق منهجه العقلي الذي سلفت الإشارة إليه فلندع أحد المتخصصين يحدثنا عنه : وبعد أن يشير هذا الباحث إلى الطبيعة العقلية والروحية لهذا الحدث الأساسي بوجود النفس وما قبل من أنه تأثر فيه بالقديس أوغسطين يؤكد أن الكوجيتو في طريقة استخدامه وما بني عليه البداية الرائعة للفلسفة الحديثة ثم انتقل الباحث نفسه إلى بيان الكيفية التي بني بها ديكارت معرفة العالم والأشياء جميعا على هذا الحدث العبقري موسطا بين الأمرين أي الذات المفكرة والعالم الواقعي يقينا أخر هو إدراك وجود (الله) بنفس الطريقة المنهجية الديكارتية فيقول : لكن الكوجيتو الذي يعطيني وجودي بأوثق الحدوث على الإطلاق يجعلني من جهة أخرى في عزلة تامة هي عزلة فكري الخاص فلا أتبين سبيلا للخروج منه ولا أبلغ أي وجود من الموجودات خارج نفسي وهكذا يظل أبو الفلسفة الحديثة مخلصا لمنهجه العقلي حتى في نزوعه الواقعي الذي يحاول فيه المزاوجة بين الذاتية الخاصة والواقعية الخارجية على أساس من الفكر المنهجي المترابط

الباب الثالث / الإسلام والفكر الفلسفي --- تمهيد : هاهو المؤرخ توينبي المتخصص في دراسة الحضارات الإنسانية يقرر أنه بينما تظل الحضارة في حالة سكون أو انحدار في طريق الانحلال ترتقي الأساليب التكنولوجية والمادة أثناء ذلك الانحلال
إن ظاهرة التدهور والانحلال تعني أنه عندما ينتهي التاريخ في نقطة ما يتجدد من نقطة جديدة أو بعبارة أخرى يقول مالك بني نبي رحمه الله ليبشرنا بمستقبل حضارتنا ولعل التاريخ يعيد نفس مشكلة الحضارات السابقة بالرغم من محاولات وضع عقائد بديلة ولكن بغير جدوى
إن افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي تضطره إلى التماس فتات العزاء الديني على موائد لا تملك منها شيئا ولقد أراد بعض الفلاسفة إحلال أهداف بديلة عن الدين كفكرة دين الإنسانية لدى أوجست كونت ولكنها بدت عقيدة باهتة ممسوخة ومن ثم لم تلق قبولا (ثم إن) عقول العالم قد فتنت حتى أواخر القرن الماضي بأيديولوجية أشد خطرا ممثلة في الماركسية وهذه تناظر اليهودية إلى حد كبير
أبرز الاتجاهات السائدة في الفلسفة الغربية : أولا / المادية كما ظهرت في تصور الماركسية :
الوجود مادي وكذلك الإنسان مجرد مادة أي جسد لا قيمة له كفرد ولكن المجتمع هو السيد والفرد كالآلة في مصنع ضخم فإن تحقيق المذهب يستلزم إخضاع الفرد للدولة في جميع الشئون وخنق كل حرية فكرية ويتحدد غرض الإنسان في إشباع حاجاته المادية وصولا إلى المجتمع الشيوعي حيث يتساوى فيه البشر جميعا في الحقوق والواجبات ومن ثم يلغي الجهاز الحكومي عند تحقيق هدف الفلسفة الماركسية
والحق أن المذهب المادي في تفسير الوجود الماركسية أحد صوره الحديثة مذهب قديم قدم الفلسفة حيث ظهر في المحاولات الأولى التي أراد بها فلاسفة الإغريق في الطبيعة أن يفسروا الوجود برده إلى الماء والهواء أو غيره من العناصر ثم تحول على يد ديموقريطس إلى فلسفة الجواهر المفردة أو الذرات حيث ينشأ عن حركتها اجتماع لبعضها البعض على صور شتى فتتكون الأشياء بتكوينها وتفسد بانفصال الجواهر ومن أطراف الأوصاف (للإنسان ) في الغرب بعامة يشخصه لنا العالم البريطاني البروفيسور (عبدا لله إليسون) بقوله : (إن الطريقة الغربية لتعاطي العلوم تعتقد أن الإنسان هو عبارة عن كيلو جرامات محدودة من الأنسجة إضافة إلى عقل اليكتروني صغير أو كمبيوتر في رأسه ليدبر هذا الجهاز الآدمي وإن الكون عبارة عن مرئيات و محسوسات وهذه الصورة ابتدأت في التصدع إذن فالثقافتان متشابهتان وهو رأي الفيلسوف البريطاني براترند رسل لاسيما من حيث أتباع الاتحاد السوفيتي لأساليب القمع القهر للدول الخاضعة له
يقول (رسل) فالاتحاد السوفيتي حقر وقسا واضطهد بعض البشر في المجر وشرق ألمانيا وهو سواء كالغرب تماما
ولكن لا تثبت براءة الغرب لأن للشرق جرائمه فكلا الجانبين يشعر بأنه إنما يفعل الصواب وكلا الجانبين بغيض )

ثانيا / الحضارة الغربية إرث للحضارة اليونانية الغربية /
لا تخرج الحضارة الغربية عن كونها إرثا للحضارة اليونانية والرومانية فإن التصورات الفلسفية هناك ترتبط بالأجداد الأقدمين حيث ظهر للدارسين أن موضوعات ومناهج الفلسفة الغربية الحديثة ليست إلا ترديدا لأقوال أبائهم الأولين مع اختلاف يسير فانعكست أثار هذه الفلسفات على الأنظمة الاجتماعية والسياسية كذلك فإن الوجودية ليست جديدة كما يظن البعض إذ يرى الدكتور توفيق الطويل أن هذه الفلسفة قد ظهرت نواتها عند سقراط وأفلاطون أوغسطين وبسكال وغيرهم
أما ما نقصده بالاختلاف اليسير نعني بذلك أن مدار البحث الفلسفي من قديم الزمان انحصر في النظرة للوجود والمعرفة حيث عرف أرسطو الفلسفة بأنها (البحث في الوجود بما هو موجود بالإطلاق رغبة في معرفة العلل البعيدة والمبادئ الأولى )وقد أقر هذا الوضع في اتجاهات الفلسفة المعاصرة من المادية الجدلية إلى الوجودية إلى البرجماتية وتقوم الفلسفة الوجودية على تصوير مغاير للنظر الفلسفي التقليدي فهي قائمة على عكس هذا التصور وتعتقد أن الوجود أسبق من الماهية كما طغى عليها تيار العبث فيذكر سارتر أن الإنسان هو الموجود الذي يشعر بأنه قد وجد جزافا وأنه يدرك ذاته بوصفه عبثا لا طائل تحته ويزعم أن الإنسان يعرف دائما أنه زائد عن الحاجة
أما عن التظاهر بالقوة وقعقعة السلاح فلا ينبغي أن تخيف أحدا فإن الأسلحة والجيوش لابد لها من بشر يحملون في صدورهم معنى وهدف للقتال إذ لابد من عقيدة فكر وفلسفة تتضمن الإيمان بفكرة وتحث على الحركة نحو هدف
يقول توينبي : ( ولكن هذه الحضارة الغربية لا تزال تغط في سباتها في الوقت الحاضر فهي في الخارج أشبه شئ بالثور الهائج ولكنها في عقر دارها حسناء ناعمة )

الفصل الثاني ---- الإسلام والمذاهب الفلسفية المعاصرة / أولا: الوجودية وموقف الإسلام منها :
تنسب كلمة الوجودية إلى الوجود لا الوجود المطلق ولكنها تعني أن يهتدي الإنسان إلى وجود بنفسه لا بالتحليل النفسي والمراقبة الباطنية ولا يهتدي بهدي الأخلاق المقررة وأصول الآداب المتواضع عليها لأنها تنشأ قبل نشوء الأفراد وإنما تهتدي إلى وجودنا بثورة في أعماق هذا الوجود
بدأت الوجودية بمؤسس هذا المذهب في العصر الحديث سورين كركجارد الدنمركي وكانت حياته تفسر مذهبه إذ صدم في مقتبل شبابه ثم تعددت المذاهب فأصبحت وجوديات كثيرة وكان الأساس الصحيح التي تقوم عليه الوجوديات السليمة
أما الصورة الأخرى فهي صورة من صور الإباحية الأخلاقية يقيمها أصحابها على سند فلسفي يسوغون يه ضعفهم وانحلالهم وهم يخجلون من الضعف والانحلال بغير سند منسوب إلى الفكر والفلسفة ولم يبعد المذهب على هذه الصورة التي تركها كير كجارد (1813-1855م) إذ انتقل إلى فرنسا على يد أمثال سارتر وألبرت كاموس وسيمون دي وخضعت لسمات خاصة ففيها النزعة الوجدانية وفيها الإيمان بحرية الفرد وفيها التمرد على سلطان الكهانة وارتبطت الوجودية في الأذهان لدى المثقفين بعامة بـــ سارتر وإنتاجه الفلسفي والأدبي وأكثر ما تتمثل آراؤه في رواياته المسرحية وأبطاله المعروضة في تلك الروايات ومنهم من يستبيح الإجرام والشذوذ أو التبذل أو الخيانة فلذا سنقتصر على الإلمام بآرائه توطئه لنقدها من وجهة النظر الإسلامية .

الأساس الفلسفي للوجودية :
تقوم الوجودية كفلسفة على فكرة رئيسية مؤداها أن الوجود أسبق من الماهية ويعرف سارتر الوجودية بأنها مذهب إنساني إلا أنه يلح في تحليل النواحي القذرة البشعة من الإنسان في قصصه ومسرحياته ويعود موقفه الميتافيزيقي إلى الإدعاء بأنه يجب البدء من الذاتية لدراسة الإنسان فينظر إليه كما هو موجود في بيئة معينة وفي كل فرد دون اعتبار للمعنى الكلي الذي يقال إنه يمثل الماهية .
وفي هذا الصدد يقول سارتر :(إن ذلك يعني أن الإنسان يوجد قبل كل شي يصادف ويظهر في الطبيعة والكون ومن ثم يحدد ويعرف .

فما هي الطريقة التي يقرر بها الفرد وجوده ؟
عند بعضهم أن وجود الفرد يتقرر ويتحقق بإطلاق العنان لرغباته وشهواته يفعل ما يشاء ولا يبالي العرف أو الدين وعند فريق أخر من الوجوديين أن الفرد يتحقق وجوده إذا اتصل بالوجود الأعم وجود الإله أو وجود الكون وتصور سارتر ناجم عن إلحاده وكفره إذ ينكر ماهية الإنسان المخلوق سلفا وبعبارة أخرى فإنه مادام الفرد هو الموجود الحقيقي فلا معنى للقول بالطبيعة البشرية والقول بالأخلاق التي تفرضها هذه الطبيعة أو بالأقدار التي رسمت لها طريقها قبل أن تبرز إلى عالم الوجود ومادام الإنسان مدعوا في كل لحظة لعملية يسميها (اختراع الإنسان) فإنه يحتاج إلى تغيير أخلاقه دون التوقف عند مبادئ ثابتة وهنا يحس بالمأزق لأن هدم أسس الأخلاق وإنكار القيم الأزلية لا يبقى على شئ له أهمية واعتبار في الحياة ويصبح الفرد قادرا على التصرف كما يشاء وعاجزا في الوقت نفسه عن الحكم على تصرفات غيره

النقد الفلسفي للوجودية :
أول ما يقال : إن تصور سبق الوجود على الماهية خطأ في العقل والمنطق وخطأ في القياس والاستدلال (فوجود النوع الإنساني أولا وجود حقيقي صادق في الحس كصدق وجود الفرد أو أصدق لأن وجود النوع الإنساني حقيقة بيولوجية من حقائق اللحم والدم وليس فرضا من فروض التصور في الأذهان ولا يتم كيان الفرد نفسه إلا إذا نضجت من الوظائف النوعية التي يتحقق بها وجوده كما يتحقق بها النوع )
كما أن مذهب الوجودية يفهم منه أيضا أنه لا يهتم بوصف مظاهر خيرة من مظاهر الحياة بل يصور إلا الجبان والفاسق والضعيف والمائع وصاحب الخلق المنحل متناسيا مظاهر الحياة الآملة في المستقبل فكأنه ينظر دائما إلى الذين هم فضلات في جسم الإنسانية متخذين منهم مقطع النظر إليها جميعا إن الوجوديين يتعمدون إنكار الأحاسيس بالانتصار والنجاح ومتعة الوصول إلى الأهداف وخبرة السعادة بالتضحية والإيثار وغيرها من مباهج الحياة ومتعتها المشروعة

يرى الفيلسوف كارل ياسبرز أننا في العصر الحاضر في حاجة إلى فلسفة (العقل والإيمان ) لا الفلسفة (الوجودية) (والوضعية) وتعليل ذلك أن الوجود العياني المشخص الذي يعتد به الوجوديون والوضعيون المحدثون أيما اعتداد لا يمكن أن يكون المرجع لكل شئ في الكون بل إن فوقه وجودا أخر متميزا عنه كل التميز مجاوزا له تمام المجاوزة ولا يكون ذلك الوجود العياني وجودا إلا بالقياس إليه وهذا الوجود الأخر المتميز المجاور هو المتعالي وفي عقيدتنا هو الله سبحانه وتعالى .
وفي التصور الفلسفي الوجودي والوضعي نرى الإنسان وقد غرته نفسه وظن أنه الكائن الوحيد ونسي خالقه عز وجل الذي خلقه فسواه فعدله
ويقول أخيرا (إننا نريد أن نستوثق من بقاء شي أبدي حتى في أبشع ضروب اليأس والدمار وفي البأساء والضراء نريد أن نتأمل أصل الإنسان
أما موطن الضعف القاتل في الوجودية فإنها ضحت في رأي جارودي بالعقلي وبالموضوعي وأيضا (بالصرامة العلمية وبالنظم الموروثة فتوهمت التاريخ من صنع وانبثاق المشروعات الحرة فقط ) وظهرت أيضا خيبة الأمل في فلسفتها للوجود نتيجة فشلها في إقامة العلوم الإنسانية لاعتمادها كليا فقط على الذات والاستغناء عن الموضوعية عند معالجة الروابط الإنسانية
وبوعي جارودي وفهمه العميق للفلسفة الوجودية أخذ في نقد روادها واحدا فواحد فمنهم سارتز الذي وصف الحياة بأنها مجرد عاطفة أو شغف غير مجد ويشفق جارودي من أثار الفلسفة على الشباب إذ تدفع به إلى اليأس واعتبار الحياة جحيما أو هاوية يسيرون إليه بعين مغمضة
ويسأل في حيرة : كيف أصف هؤلاء المفكرين والكتاب ؟ ثم يجيبنا بقوله (إنهم سفاحو الثقافة والفكر )
ويسقط سارتز إلى هاوية الإلحاد عندما يصور الإنسان بغير عون في هذه الأرض ولن يجد ما يهديه أو يحدد له معالم سيره ثم يدمر الإنسان فردا كان أم مجتمعات عندما يصف الأخلاق بأنها متغيرة تتغير طبقا لما يوقع الفرد عليها من اختيار
إن ألعاصم من القلق العاصف هو الإيمان بالقدر وفي نفس الوقت لا يبقى في النفس خوف حقيقي إلا من الله عز و جل وإذا تكلمنا بلغة علم النفس تبين أن انفعال الخوف من الله تعالى وحده يحقق للإنسان الحياة الأفضل مادام مسلحا بسلاح الإيمان وإن القلق والتشاؤم ليس حالة دائمة ولكنه إحساس مؤقت وينبغي للإنسان لمقاومة ذلك أن يتذكر أنه أوتي من النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى ومن هذه الزاوية ربما نستطيع فهم بعض الحكم من العبادات التي تصاحب المسلم حتى الموت أي نقلته من حياة إلى حياة أخرى فالصلاة تؤكد المعنى الذهبي للعبودية لله والصيام يذكر الإنسان بخاصيته الروحية ويسمو به من غرائزه الحيوانية وتؤدي الزكاة دورها في تغلب الإنسان على شحه وبخله وتعوده على المشاركة والإيثار فتنمي في نفسه عاطفة المشاركة الجماعية وتتحقق العبودية الكامنة للإنسان بأداء الحج فإنه كما وصفه ابن تيمية (مبنى على الذل والعبودية لله عز وجل)
إن الجانب الإيجابي في الفلسفة الوجودية هو الحرية الإنسانية وتحمل الإنسان نتائج هذه الحرية ولكن هناك شقا أخر يوجه للوجودية في هذه المسألة إذ الحرية لا تصبح ذات هدف إنساني وقيمة إيجابية إلا إذا تقيدت بالقيم الأخلاقية وبغير هذا الالتزام تصبح هذه الحرية هادمة للفرد وللمجتمع البشرية
يقول سارتر في تعريفه للحرية بغير التزام (إنهم يكتشفون في وقت واحد أن كل الأفعال الإنسانية سواء متساوية وأنها بحتمية مبدئية محكوم عليها جميعا بالفشل ) أذا تصورنا الإنسان في حركته الحرة نحو الأهداف إنما يتحرك وفق صور ذهنية وقيم معنوية تصحبها انفعالات وجدانية تدفعه إلى السلوك العملي نحو هدف يختاره مسبقا بعد المفاضلة والمقارنة بينه وبين غيره فليس فعل الإنسان الذي يسعى للرزق أو طلبا للعلم أو معاونة الآخرين كالإنسان الذي ينوي ارتكاب جريمة فكيف تتساوى الأفعال الإنسانية ؟
ويرى جارودي أن تصور الوجودية للحرية المجردة الصورية تؤدي إلى تطبيقات عملية تبعث على الذعر .
ولابد من الإشارة إلى أنه قال ذلك قبل إسلامه ولكنه عندما أسلم وفهم عقيدة الإسلام ونظمه كتب معبرا عن المبادئ الثلاثة في الاقتصاد والتشريع والسياسة (فإن الله تعالى وحده مالك كل شئ , وهو سبحانه وحده الذي يشرع , وهو أيضا عز و جل وحده الأمر والناهي .
إذ فالمبدأ الأساسي في الإسلام لا يجعل الاتجاه نحو المجتمع أو الطبقة أو الوطن بل طاعة لله تعالى ولرسوله (ص) انطلاقا من عقيدة التوحيد لا يقوم المجتمع في ضوئها على أساس مبدأ (إعلان حقوق الإنسان ) وإنما يقوم على تعاليم سماوية تحدد واجبات الإنسان .
وبعد النقد يأتي البحث عن الدوافع يقول الأستاذ العقاد / (ومن الخير أن تدرس المذاهب الفكرية بل الأزياء الفكرية كلما شاع منها في أوروبا مذهب جديد ولكن من الشر أن تدرس بعناوينها وظواهرها دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة والتدبير المقصود )
وبالمقارنة بين منظومة القيم الإسلامية وصدى الفلسفة الوجودية بالغرب يقول الدكتور محمد زكي العشماوي : (فليس من شك في إيماننا بالله تعالى هو الشئ الوحيد القادر على أن يجعل لحياتنا معنى وأن يجعل من وجودنا قوة وأن يجعلنا نتمسك بالحياة ونعيشها) أما (الغربة) و(الغثيان )
و(العبث) و(التمرد) و(اللامعقول ) فهي أمراض الفكر في القرن العشرين لأنها حالات من انعدام الوزن ينتهي فيها تفكير الإنسان إلى أن الحقيقة في هذا العالم ليست إلا الفوضى وهي حال يتجلى فيها العالم لصاحبه على حقيقة كريهة فلا يرى فيه نظاما و لا معنى ولا يجد فيه مبررا لبقائه


الساعة الآن 05:47 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمنتديات جامعة الملك عبد العزيز


Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46